يوسف شاهين والارتباك كوسيلة للمضي

دليل الحيرة في فجر يوم جديد

يوسف شاهين والارتباك كوسيلة للمضي

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

كان يوسف شاهين وحيدًا، مرتبكًا أمام مشروع ضخم، آمن به عن وعي قلق، وفيلم "فجر يوم جديد" هو هلامة ذلك الارتباك، التي تطرح السؤال: ماذا يفعل المرء وسط انتصارات الثورة وهزائمها؟

في حوار مع الناقد سمير فريد يخبرنا بأن أسوأ ما فعله به صلاح أبو سيف في شبابه هو إقناعه بأن يوسف شاهين خواجة ولا يمتلك الروح المصرية. حتى إنه عنون مقاله عن فيلم "فجر يوم جديد (١٩٦٥)" بـ "فجر يوم جديد من وجهة نظر سائح". قد تعزى تلك الحادثة الى التنافس الشخصي بين المخرجَين، أو حتى إلى "الأسفنة" المعتادة في أي مجال عملي. ولكن أيضًا يمكن فهمها في سياق التوجهات الفكرية المؤسسة لكل من المخرجين الاثنين في منتصف الستينيات، حين كان المشروع الناصري التطويري الذي "ينتميان إليه" في أوجه.

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

سمير فريد يهاجم "فجر يوم جديد" في صحيفة الجمهورية، عدد ٤٠٨٤ - صفحة ١١ (۲٥ فبراير ١٩٦٥).

ولكن بينما انتماء صلاح أبو سيف ملتزم، يؤمن -إيمانًا شبه تام- بالمشروع إلى حد دفعه إلى إهمال صناعة الأفلام وقبول دوره كمدير للشركة العامة للإنتاج السينمائي "فيلمنتاج" المنشأة حديثًا -آنذاك- في ١٩٦٤، كذراع القطاع العام للسيطرة على الإنتاج، فقد ظلت أدوار شاهين أكثر حركة وارتباكًا في إيمانه بالمشروع. وهو ما ظهر جليًّا في فيلم "فجر يوم جديد".
يُنظر إلى "فجر يوم جديد" نظرة أقل أهمية مقارنة بأفلام شاهين اللاحقة، أو حتى السابقة عليه مثل "باب الحديد" (١٩٥٨)، والناصر صلاح الدين (١٩٦٣). إذ يركز النقاد على جانبه الدعائي

"السياحي" عادة، ويقتصر مدحه على جوانب جمالية، أو اقتباساته من الموجة الفرنسية الجديدة، متجاهلين الجانب السياسي أو الشخصي بالفيلم. في عدد مجلة الفيلم الخاص عن يوسف شاهين (٢٠١٨)، يصفه وليد الخشاب  بأنه "يتبنى بشكل مباشر وغير مباشر الخطاب القومي الناصري"، ويلخص رحلة الفيلم بأن هدف أبطاله هي "المشاركة في مشروع بناء الدولة الوطنية ما بعد الاستعمارية". وقد حبست تلك القراءة السياسية "فجر يوم جديد" في إطار الفيلم الدعائي فقط، دون إمكانية أخرى. 
في ذكرى ميلاد يوسف شاهين المئوية؛ في

٢٥ يناير ٢٠٢٦، أقامت سينما زاوية عرضًا استعاديًّا وحيدًا لـ"فجر يوم جديد"، ووقفت المترجمة ياسمين زهدي التي تولت برمجته لتقدمه "يوسف شاهين كان مؤمن بالمشروع ولكن بوعي وده اللي خلاه يقدر يتجاوز الهزيمة ومينسحقش في آثارها زي مثقفين كتير". تقدم لنا هذه القراءة مدخلاً نقديًّا قد يكون مختلفًا عن كل الأساليب التي استقبل بها الفيلم على مدار الـ ٦٠عامًا الأخيرة. 
في بداية الفيلم، وبعد عدة مشاهد، نتعرف على "نايلة" -سناء جميل- وزوجها "حمادة" -يوسف شاهين- والشاب "طارق"-سيف عبد الرحمن-

عبد الرحمن الشرقاوي كتب حوار فيلم "جميلة أبو حريد" لكنه بعد المشاهدة تبرأ منه وهاجمه مع المهاجمين

وينكشف لنا زيف وتناقضات هذا المجتمع المخملي. يزور "حسين" أخونايلة الأكبر -حمدي غيث- منزلها بناء على طلب زوجها الذي أخبره كذبًا أنها مريضة. وفي واحدة من محادثاته الرقيقة معها التي تتكرر أكثر من مرة على مدار الفيلم ينطلق "حسين" الصحفي اليساري في محاولة إخراجها خارج العالم التافه التي تعيش به. يستمر حمدي غيث بصوته الجهوري في المونولوج إلى أن ينطق جملة "تذكرت الطفلة الرقيقة، وتذكرت أنك وحيدة في الزحام الرهيب اللي أنت عايشة فيه" تحدد تلك الجملة مبكرًا بالفيلم رؤية شاهين.

وحيدًا في إيمانه بمشروع تدمره تناقضاته ببطء، يحاول شاهين في وسط جمع من المثقفين والفنانين والمثقفين والمنتمين أن يعرف معنى أن تصبح وحيدًا رغم الانتماء، أن ترتبك بشيء من الشجاعة أمام المشروع الضخم والإيمان الأضخم؛ وهو قلق ظهر للمرة الأولى في فيلم "جميلة بوحيرد"، قبل أن يخبرنا شاهين في فيلمه "حدوتة مصرية (١٩٨٢)" بأنه صنع الفيلم دون أن يعرف أين تقع الجزائر على الخريطة. فعل ذلك بمساعدة مثقفين ملتزمين، يدافعون عن القضايا "العربية" في ركب يسير على قدم واحدة وقلب واحد دون أثر للاختلاف.

اقرأ أيضاً

مختصر خرائط الفرما

مختصر خرائط الفرما

أهمية قصائد جرترود ستاين التخريبية

أهمية قصائد جرترود ستاين التخريبية

يوسف شاهين..المصير ليه؟

يوسف شاهين..المصير ليه؟

شيفون: تجربة  الغياب الكامل للجسد

شيفون: تجربة  الغياب الكامل للجسد

أم كلثوم.. مرحلة الدلال

أم كلثوم.. مرحلة الدلال

متى يصمت أبطال نجيب محفوظ؟

متى يصمت أبطال نجيب محفوظ؟