شيفون: تجربة  الغياب الكامل للجسد

 بعد تفكيك سنوات الحلم الأمريكي

شيفون: تجربة  الغياب الكامل للجسد

  • شهري
  • نص
  • كتابة

في معرض"شيفون..عندما يلتقي المحيطان" تجربة مع اختفاء الجسد من الصورة هل يصبح الغياب شكلاً آخر للحضور؟ ماذا لو تحول المعرض إلى اختبار للانتباه لا للعين فقط؟ وأين تقف ذواتنا بين ظهور واختفاء؟

منذ اللحظة الأولى للتفكير في معرض شيفون كان السؤال: كيف يمكن أن نقدم عرضًا لا يسمح للجمهور فقط بالاكتفاء برؤية الأعمال؟ أو كيف يمكن للمعرض نفسه أن يتحول من مساحة اشتباك بصري إلى وضعية اختبار، اختبار للانتباه، للزمن، ولحدود علاقتنا بالصورة؟ هذا السؤال لا ينطلق فقط من خصوصية أعمال إبراهيم أحمد، بل من قلق أوسع يخص علاقة الصورة المعاصرة بالزمن، والانتباه، والجسد، في عالم تتدافع فيه الصور إلى حد يفقدها قدرتها على البقاء في الذاكرة.
ولد إبراهيم أحمد عام ١٩٨٤ لأبوين
مصريين، وتنقل في طفولته بين الخليج

ومصر قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة في سنوات مراهقته الأولى. 
هذا التشكل بين جغرافيات متعددة راكم طبقات داخلية في ممارسته الفنية. منذ عودته إلى مصر عام ٢٠١٤ واستقراره في حي أرض اللواء بالجيزة، بات سؤال "الموقع" -بوصفه اجتماعيًّا وسياسيًّا وماديًّا- عنصرًا حاسمًا في إعادة تعريف علاقة إبراهيم بالصورة، والجسد، والمادة نفسها. ما جعل عملي كقيم فني لهذا المشروع مسارًا من التفاوض مع الصورة والجسد والذاكرة باعتبارها مادة غير مستقرة، ومع فكرة الهوية نفسها. هذا التفاوض أصبح منهجًا للعمل: استراتيجية قيمية ترى

 شيفون، بوصفه حالة بين-بين، شرط معيش تتعطل فيه الحدود لا يقترح كمنطقة تصالح، بل كحالة تعليق مستمرة تبقي الذات والصورة في توتر دائم

المعرض حقلاً من الطبقات بين قوى متعارضة، لا مساحة فيه لعرض نتائج جاهزة.
لم يظهر مفهوم "شيفون" بوصفه عنوانًا جاهزًا أو مجازًا لغويًّا، بل كحالة تتكرر عبر مستويات متعددة في أعمال إبراهيم الفنية: بين الفوتوغرافيا والعمارة، بين الحرفة والمفهوم، بين الظهور والاختفاء، والانتماء والانفصال. ربما تكوَّن هذا المفهوم منذ قدم إبراهيم تركيبًا فنيًّا يضم ثلاثين شراعًا بالحجم الطبيعي، مصنوعة من أقمشة منزلية مطرزة، بعنوان "لا يرحل إلا الحالمون Only Dreamers Leave- ٢٠١٦". وعرض ببينالي داكار عام ٢٠١٨.

أشرعة تحمل زخارف مستوحاة من البوابات الحديدية الباروكية والأرابيسك، التي تعد رموزًا من التراث المعماري في مصر. قدمها إبراهيم كاستعارة مزدوجة عن حلم العبور، واستحالة الهروب إلى أنظمة تقوم في جوهرها على الإقصاء، كنسيج يتجاوز كونه سطحًا، وصار فضاءً معلقًا بين احتمالين. ويستدعى "شيفون" هنا في هذا المعرض بوصفه شرط وجودي وسياسي، حالة تعليق دائم تنتج ذاتًا غير مكتملة تتخطى حيز الرؤية، وصورة ترفض الاستقرار في معنى واحد.
 بدأ إبراهيم الاشتغال على الأقمشة بوصفها حوامل لذاكرة عبور طويلة

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

من سلسلة أعمال "لا يرحل إلا الحالمون"، ٢٠١٦

الأمد مع سلسلة أعمال "أرض اللوا- ٢٠١٥ /٢٠١٦"، فجمع منسوجات متعددة المصادر، وقواها بطبقات لونية كثيفة، حتى تحولت إلى أسطح أقرب إلى جدران متآكلة منها إلى لوحات، بنية قائمة بذاتها، قادرة على حمل أثر المكان وتحولاته الطبقية والاجتماعية.
 شيفون، بوصفه حالة بين-بين، شرط معيش تتعطل فيه الحدود وتبقى المعاني في حالة تفاوض، لا يقترح كمنطقة تصالح، بل كحالة تعليق مستمرة تبقي الذات والصورة في توتر دائم، حيث لا يسمح للتأويل أن يستقر ولا للهوية أن تكتمل.
 في هذا المعرض يتعامل إبراهيم مع

عملية إنتاج الأعمال باعتبارها أصداء لخبرة معيشة.
كفنان عاش بين جغرافيات متعددة، بين لغات وسياقات اجتماعية وسياسية ليست مترادفة، ظل دائمًا في مساحة لا تسمح بالانتماء الكامل ولا بالانفصال التام.  وهذه التجربة العابرة للحدود لا تقدَّم هنا كسيرة ذاتية، بل بوصفها نموذجًا لشرط أوسع يخص ذواتًا معاصرة تشكلت داخل أنظمة تمثيل تجزئ الإنسان وتعيد تعريفه وفق صور نمطية مسطحة. وقد انعكس هذا الشرط مباشرة في بنية الأعمال: صورًا غير مكتملة، ووجوهًا متعددة، وزوايا رؤية متغيرة.

اقرأ أيضاً

أم كلثوم ..مرحلة الدلال

أم كلثوم ..مرحلة الدلال

متى يصمت أبطال نجيب محفوظ؟

متى يصمت أبطال نجيب محفوظ؟

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب