هذه محاولة لرسم مدينة بورسعيد من الخيل وليس استعادة للفرما، المدينة القديمة والخريطة تنمو بين مجموعة الأصدقاء ككائن حي،فيصير الحلم هندسة، والذكرى مادة للبناء، كأن العالم يعاد اختراعه على مهل
كنا نلعب السنوكر في نادي المسرح. أربعة متفاوتي الأعمار والاهتمامات، لا يتحدثون في السياسة. تعارفوا في ميدان التحرير خلال أيام الثورة، ثم عادوا معًا إلى بورسعيد. مهندس معماري متقاعد، ومدرس رياضيات مفتون بالنسبة الذهبية، ومترجم يتقن عدة لغات، والرابع أنا.
هجرنا السنوكر، لعبنا الكوتشينة في مقاهي الفلاح والبحرية ورأس البر والبلياردو والسعدية (قبل هدمها). من الجوكر إلى البريدج، اقترح المهندس الأرمل فكرة وقال: "نملك الوسائل والخيال".
فنجتمع في مكتبة بيته أسبوعيًا، على لعبة بدأناها ارتجالًا:
نرسم خريطة لبورسعيد، كما نريدها، تحقيقه. كان دوري الأساسي أن أتخيل. ثم أوفر الوصف بالكلمات، للمدينة المتكونة بين أيدينا بالدقة الرياضية للمدرس، والمعرفة المتبحرة للمهندس، والقدرة على الوصول إلى المراجع بعيدة المنال في الجامعات الأجنبية عند المترجم.
أخذنا القياسات حول المدينة وفي ودواخلها، بالخطوات، بالأشبار، بالأمتار والكيلوات. وفي أول مايو سنة ٢٠١١، في أثناء تمشية من شارع ٢٣ إلى البحر، مررنا بعبارة مكتوبة باسبراى أسود على سور ڤيلا السفارة الصينية، لم تكن موجودة قبلها: "يسقط شاي دكتور
مينج". نظرنا لبعضنا، وبدأنا.
مع الوقت لم تعد لعبة فحسب، بل قامت الفرما على انضباط معرفي وعرّفنا المدينة بحيث لا تُبنى فوق أنقاض، ولا تتحول إلى شبكة سلطوية، بل تظل قابلة للتعديل والحركة، حسب سلوك سكانها وتغيرات المناخ المحيط. أحياؤها متكاملة ذاتيًّا، تغذي بعضها وفقًا للحاجات المتبادلة. في النهاية، كما سيتضح، لم يبق سواي ومدرس الرياضيات. طلب مني أن أنشرها، وأن أنساه.
الجغرافيا والامتداد الطبيعي
تقطع رحلة طويلة لتتم شبه الدائرة المكونة للفرما في الشمال الشرقي لمصر.
بدأنا من ذراع "بحر الرواج" في بحيرة البردويل، مشينا على طول الساحل، إلى منطقة المناصرة بعد بوغاز بورسعيد الثاني. منها هبطنا عبر جزر بحيرة المنزلة، جنوبًا فشرقًا حتى صان الحجر البحرية. ثم شرقًا باستقامة، متجاوزين قناة السويس، حتى بقعة صحراوية نائية جنوب أطلال بيلوزيوم.
هنا وضع مدرس الرياضيات قبعة رأسه على حجر وفوقها حجر، رسمناها في الخريطة بوابة. منها صعدنا بخط مائل نحو نقطة البداية. خمسمئة كيلو متر مربع؛ يوم ونصف بالسيارة.
البنية التحتية للمدينة والعمارة عمومًا
بُنيت الفرما بموارد محلية معالجة.
رمال، أحجار من جبال سيناء، قواقع مطحونة، وخرسانة خضراء.
المباني على تنوعها بين حي وآخر، في الطرز والارتفاعات والألوان وغيره، كلها تتكيف مع فصول السنة؛ تلتقط الكهربا من الهواء، تصيد البرق بأعمدة وخيوط فوق نوافذ مزودة بمصافي ضوئية. في الشتاء تستدفيء من باطن الأرض.
ولكل حي من أحياء الفرما نغمة مالكة
(في صيف 2016 اختفى صديقنا المترجم. عن اجتماعاتنا، عن عمله في مدرسة الليسيه، عن بيته. بحثنا في كل مكان. لا أثر له.
تفرقت مواعيدنا. وبتلاقينا من جديد بعد فترة، اكتشفنا أن كلًا منا عمل
منفردًا.
بعض القياسات لا تنجح إلا قبيل الفجر، وأخرى تحتاج ضوءًا مائلًا، أو اتجاهًا معينًا للريح. بالنسبة لافتقادنا تحديث المعلومات، الذي كان يوفره المترجم، تواصلنا عبر الإنترنت مع مجموعات دولية، مثل مشروع فينوس (The Venus Project)، ومع تجار كتب أجانب.
ملحوظة: حي "الجبل" أتتني فكرته من الاستدارة المثالية لكرش مدرس الرياضيات. صرحت له وللمجموعة بذلك في حينه. تحمسوا للفكرة، وألقى المترجم قصيدة لفؤاد قاعود اسمها: الدوران حول كرش بوذا).
والمدينة أحياء سبعة:
حي بيلوزيوم: من أطلال المدينة التاريخية جنوب الشرق، إلى البردويل شرقًا.
أعيد بناء موقع أطلال الفرما، باستخدام البناء الطيفي: هياكل ضوئية.
وباستخدام البناء الطيفي، استعيدت بين أطلال الفرما قلعة، وكنيسة مريم العذراء، وميدان، ومسرح روماني، وأبواب المدينة الخمسة التي دخل منها أبناء يعقوب: باب فينيق - باب سبأ - باب المغرب - باب الرومان - وباب طَيْلون.
اقترحت أن يكون بكل بيت مجسات للذاكرة، للأرشفة الحية، لكن المجموعة