أحيانًا لا تأتي السعادة كيقين أو مكافأة، تأتي كارتباك يهز ما نعرفه عن أنفسنا، وفي تلك اللحظات تصبح التساؤلات أهم بكثير من الأجوبة، وهذا النص محاولة لدخول لحظة ملتبسة دون إدانة أو تفسير.
المشهد الأول، داخلي، ليل من ليالي كورونا
كانت ليالٍ صيفية، هواء ليلها ممتلئ… ثقيل، أثقل من أنفاس عائلة مكونة من خمسة أفراد، يزفرون أنفاسهم بصعوبة في البيت نفسه، في الوقت نفسه، بل طوال الوقت. كانت إذا تلامست الأكتاف في ممر الغرف، نشعر بثورة داخل عروقنا، تنفر بالدماء، تغلي لتصل حرارتها إلى أفواهنا، فترى البخار يرمي حروفًا تلطم وجوه كل منا ذهابًا وإيابًا. كانت تلك أيامنا لأشهر؛ أشهر الحظر… أشهر الكورونا، بل أوائل أشهر الكورونا، ليس لنا صبر على سنواتها.
تفرقنا، وكل منا يتحمل ويحمل الآخر
مسؤولية خروجه من المنزل. أما أنا... فكان السفر اختياري دائمًا حين يضيق صدري على أفكاري… بحبسها بين ضلوعه، وإحكام قبضته عليها لتصبح وخزًا في بطني…
أعرف ذلك الشعور جيدًا، فها هي الخطط المؤجلة، الأمنيات والأحلام، الدنيا التي أريدها ولا أقطع أي شوط لكسبها... ها هي أفكار الكورونا. كل هذا فوق أريكة مالت من ثقل جسدي، وكأنها تجاوزت مدة ضمانها، كما تجاوزت أنا حدود تحملي.
في صالة يفترشها أثاث ملت الأعين من النظر إليه، ومللنا استخدامه، فأطفئت الأنوار من فوقه ليضئ على قطعة
واحدة فقط، وتبقى الأريكة سيدة الصورة وبطلة اللقطة، بشاشة تليفزيون أمامها، تطفأ دون إذن منا، حين تشعر بأنها اكتفت، وتحملت فوق عدد ساعات عملها، وزادت حرارتها مع ازدياد حرارة الأحداث بداخلها وعدد الوفيات والمصابين، والأقفال على المحلات، والطائرات... والبلاد.
انتهت مدة العرض، واسودَّت الشاشة أمامي، وامتلأت بطني بالأفكار، وهبطت الكنبة مليمترات زيادة... حتى فاضت بقرار السفر إلى سيناء، مع أول صورة ظهرت أمامي، باهتمام من فيسبوك بتذكيري بيومي هذا، لكن في السنة الماضية؛ وإخباري أين كنت؟
وبماذا شعرت؟ ووصف للحالة...
وكانت سيناء حبيبة في سنين موت قلبي عن الحب والأحبة. فقررت السفر مع سماع أذان المغرب، وكنت على الطريق مع أذان العشاء لنفس اليوم. قضيت ليلتي داخل أتوبيس، برأس مائلة على حقيبة تحملت زجاجة ماء وفستانًا واسعًا ورديًّا، بقبضة محكمة بسوستة بالكاد تتحملهم وتتحملني.
المشهد الثاني، داخلي.. القمر بدر
انقطع التفكير، وذاب التشويش مع مساس عجلات الأتوبيس لأرض الطريق الفارغ؛ الفارغ من المباني الحابسة أهلها، والأنوار الضائع نورها. وانتبهت بمكالمة السائق لزوجته يطمئنها بأنه بدأ رحلته
اللوحة للفنان سكوت بيرجي
الآن بقوله: "آه، أنا خلاص ركبت الطريق".
فوقفت رأسي من على الكرسي، وباستقامة نحو الجملة، ذهب اهتمامي لهذه التركيبة اللغوية التي فعلت كل إمكانيات الطريق… حولته إلى أنبوب حلزوني يدور دوراته حول الزمن، لا يعرف الماضي من الحاضر، ويرفض المستقبل. وبصفارة انطلاقه، تداعت ذاكرتي لتجربة خاصة اختبرت فيها سعادة بتعريف خاص أيضًا... تلك السعادة التي أدركتها بين حبين… حقيقيَّين.
فهل يروق للطريق تذكرها؟
رأيت في الصدمة فرصة لعدم اختيار
الرفض، فبادرت بالاعتراف: "أحببت صديقين في الوقت نفسه، وهما أيضًا… بادلاني الحب… كأننا كنا ثلاثة أنفس تحسن فهم اللحظة... فصمتنا جميعًا… كل منا يحب الآخر، وبيننا صمت يقول كل شيء". وسكت، وانتظرت اللوم والاستنكار، لكني تفاجأت بسرعة الاستجابة، وأحسست نسمات من هوائه تمر بخفة وبرودة توحي بالتقبل والانفتاح لما هو قادم، فابتهجت لسعة الطريق واستيعابه لاعترافي هذا وتضامنه معه. وزاد عليها طمأنة غير متوقعة لروحي بنص من قصيدة On Her Loving Two Equally، لأفرا بِن، حين شاركت كيوبيد، إله الحب، حيرتها،
وعدم قدرتها على اختيار الدعوة المنشودة لشفائها وخوفها من الاستجابة في بعد أحدهم. وكأني سمعته يقول لي: "أنتِ لست وحدك في اختبار مشاعر كهذه"، فرسم لي كلماتها للتأكيد:
Cure then, thou mighty winged God This restless Feaver in my Blood One Golden-Pointed Dart take back
But which, O Cupid, wilt thou take؟
If Damon's, all my Hopes are crost
Or that of my Alexis, I am lost فأزحت بيدي القيود مسافة نصف