سيرچي دانيه في مجاميع يوسف شاهين

الجملة القصيرة في الوداع يا بونابرت

 سيرچي دانيه في مجاميع يوسف شاهين

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

هناك أفلام تبدأ كحلم كبير، ثم تمر مرور الكرام وكأنها لم تكن.. وهذا المقال للناقد والممثل الفرنسي سيرچي دانيه يشرح من موقع التصوير، لماذا لم يكن على فيلم "الوداع يا بونابرت" أن يواجه مثل هذا المصير

في أغسطس كتب الناقد والمحاور والممثل الفرنسي، سيرچي دانيه (١٩٤٤-١٩٩٤) الذي شارك بالتمثيل في فيلم "الوداع يا بونابرت"، هذا المقال -بالفرنسية بالطبع- وترجمناه من مدونة "سيرچي دانيه بالإنجليزية"، ليحكي عن كواليس تصوير الفيلم السابع والعشرين ليوسف شاهين. عادةً، فالمقالات التي تكتب عما يجري في مواقع التصوير لا تكون مجرد تسجيل كواليس صناعة هذه الأفلام، وأحيانًا ما تكون نافذة على الأفكار والرهانات والضغوط التي يعاني منها العمل قبل أن يصير فيلمًا مكتملاً معروضًا في السينمات.

عادة لا ينشغل جمهور السينما بأسئلة العمل الفني، لماذا يصنع المخرج هذا الفيلم؟ وما الذي يريد إيصاله سواء لنفسه أو للناس؟ وفي حالة فيلم "الوداع يا بونابرت" هل يمكن تحويل التاريخ إلى دراما دون خسائر متناثرة على أكثر من جبهة؟
هنا يعود دانيه لصيف ١٩٨٤، ويحكي عن يوسف شاهين وهو يصور فيلمه بين الأهرامات والفيوم وأحياء قاهرة الثمانينيات المهددة دائمًا بأطنان وأطنان من الأتربة، ولا يكتفي بالكلام عن أبطال العمل، ونصفهم فرنسيون، إنما يركز على صورة المخرج الذي يخوض هنا إحدى أكثر مغامراته طموحًا، وهو

لم يفلت دانيه من سحر شخصية شاهين "چو"، التي جمعت بين محليته وانفتاحه الكوزموبوليتاني على العالم، وهو في خضم إنتاج ضخم مضنٍ

يتناول الحملة الفرنسية على مصر، معيدًا النظر فيها عبر شخصيات تبحث المعرفة والسلطة والحرية معًا، ليخرج الفيلم في النهاية وقد تجنب المرويات المعلبة المحفوظة.
يعترف دانيه أنه لم يفلت دانيه من سحر شخصية شاهين "چو"، التي جمعت بين محليته وانفتاحه -الكوزموبوليتاني- على العالم، وهو في خضم إنتاج ضخم مضنٍ، عالق بين هواجسه الشخصية وطموحه في إنتاج فيلم عن شبكة معقدة من العلاقات بين التاريخ والسياسية والذاكرة المحلية تجاه المحتل، والهدف الذي يراه مستحقًا للجهد أن يثير فيلمه العقل

ويفجر الجدل، وهو ما لم يتحقق.
وقد ناقش دانيه مع شاهين في برنامجه الإذاعي ١٩٨٦، كيف جاء الاستقبال الفاتر للفيلم مخيبًا لآمالهما معًا، فلم يحقق نجاحًا يذكر، ولم يصنع نقاشًا عامًا مثلما تمنى مخرجه، وفي النهاية طواه النسيان. في الحوار ألقى شاهين -ووافقه دانيه- باللوم على شركات التوزيع التي سوقت الفيلم باعتباره ملحمة سينمائية، ولم تفتهما الإشارة إلى الدوافع العنصرية وما بعد الاستعمارية وراء تجاهله، وأخذهما الحوار إلى حديث ذي شجون عن وضع عالم السينما بأكمله في عام ١٩٨٦.
 ولأن "الوداع يا بونابرت" أكثر من

مجرد فيلم تاريخي، فهذا المقال الذي انطلق من "جملة قصيرة"نوع خاص من النقد.وشهادة على لقاء بين ناقد متميز ومخرج استثنائي، ولحظة سينمائية خاصة جدًا. وهذا هو المقال
جملة قصيرة
كل شيء يدفعنا للاعتقاد بأن رجلاً استيقظ في ٣ يوليو عام ١٩٨٤ (في القاهرة) بقلق ما (في قلبه). يوسف شاهين، المخرج المصري المولود قبل ثمانية وخمسين عامًا في الإسكندرية يصور أضخم إنتاج فرنسي مصري مشترك. فيلم "الوداع يا بونابرت" في أسبوع التصوير الرابع، وجدول اليوم يقول: "المشهد ٣٣: نهار خارجي،

لشهر كامل، ظل شيرو يفكر في الجملة القصيرة؛ في دار أوبرا لا سكالا في ميلانو، على متن رحلة مصر للطيران، إذ كيف يمكن للمرء أن يفلت من الصورة النمطية؟

الأهرامات". يتضمن الحوار جملة قصيرة لكنها لا مفر منها، إذ دونها سيفتقر فيلم عن الحملة الفرنسية في مصر (١٧٩٨-١٨٠٠) إلى الإثارة: "من أعالي هذه الأهرامات، تطل علينا أربعون قرنًا!". صحيح، ولكن كيف نضفي على هذه العبارة المدرسية الكليشيهية القديمة روحًا جديدة؟
في ذلك الصباح يشير كل شيء يشير إلى أن ممثلاً استيقظ مثقلاً بالقلق نفسه. يستيقظ الممثل الذي سينطق بتلك الجملة، ويجسد شخصية بونابرت. باتريس شيرو (الذي سبق له أن لعب دور كاميل ديسمولان في فيلم دانتون
للمخرج فاجدا)، بعد أن تعافى لتوه من

نوبة فرعونية أخرى، تحت أشجار البانيان في جزيرة الروضة بقصر المنيل، حيث كان فريق الفيلم الفرنسي يقيم في كلوب ميد (Club Méd-iterranée) عربون صداقة ليوسف شاهين، ولشهر كامل، ظل شيرو يفكر في هذه الجملة (في دار أوبرا لا سكالا في ميلانو، على متن رحلة مصر للطيران، في كل مكان). كيف يمكن للمرء أن يفلت من الصورة النمطية؟
كل شيء يشير إلى أن ممثل آخر، في منزل مجاور، خلف الجدران التي -لحسن الحظ- تعزل النادي وموظفيه وضيوفه المرحين عن صخب القاهرة العبثي (إحدى أفضل الموسيقى

اقرأ أيضاً

لحظات سعادة

لحظات سعادة

التجمد في الزمن

التجمد في الزمن

يوسف شاهين والارتباك كوسيلة للمضي

يوسف شاهين والارتباك كوسيلة للمضي

مختصر خرائط الفرما

مختصر خرائط الفرما

أهمية قصائد جرترود ستاين التخريبية

أهمية قصائد جرترود ستاين التخريبية

يوسف شاهين..المصير ليه؟

يوسف شاهين..المصير ليه؟