من يغلق الدائرة السحرية؟

حكايات آلهة الوقت 3 

من يغلق الدائرة السحرية؟

  • أسبوعي
  • سلاسل
  • كتابة

في الحلقة الثالثة من "حكايات آلهة الوقت" يتتبع وائل عبد الفتاح كيف تصبح مباراة كرة قدم سؤالاً عن الزمن والاحتمالات والأمل، وكيف تحسم لا بالنتيجة، بل بما تتركه في ذاكرة المدينة

صمتت القاهرة فجأة..
قبل لحظات فقط، كانت المدينة تهتز على إيقاع جديد. ترتج المباني كأنها تشارك في الهتاف، ويتدفق الصوت المفاجئ من الشرفات والمقاهي والسيارات حتى يبدو أن القاهرة كلها صارت حنجرة واحدة. توقفت السيارات في منتصف الطرق لأن أصحابها نسوا إلى أين كانوا ذاهبين، وابتلعت المقاهي الشوارع، وتعانق غرباء كأنهم اكتشفوا، في لحظة واحدة، أن بينهم عمرًا كاملاً من المعرفة. حتى الهواء بدا أخف. وكنت واحدًا من تلك الأجساد التي قفزت متناسية ثقلها، كأن الجاذبية نفسها نسيت القاهرة لدقائق.

ثم… انطفأ كل شيء. لم يأمر أحد المدينة بالسكوت، لكنه هبط عليها كما يهبط الغبار بعد انفجار بعيد. لم يكن سكون الهزيمة، ولا سكون الحسرة. كان سكون مدينة رأت، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وجهًا آخر لنفسها، ثم اختفى قبل أن تحفظ ملامحه. أعرف أن المباراة حسمت في الدقائق العشر الأخيرة، وأن الأرچنتين بقيت هي الأرچنتين.
لكن ما حدث في تلك الليلة لا يمكن اختزاله في لوحة النتائج. لم تكن القاهرة تحتفل لأنها اقتربت من إسقاط بطل العالم، بل لأنها رأت، لوهلة قصيرة، نسخة أخرى من نفسها؛ مدينة ما تزال

حين تأهلت مصر إلى كأس العالم، فرح الناس بحذر، كأنهم تعودوا ألا يمنحوا قلوبهم للحظة كاملة، وأن يتركوا دائمًا جزءًا منها خارج الاحتفال

قادرة على الدهشة، وعلى المخاطرة، وعلى تصديق أن المعجزة ليست مستحيلة. وربما لهذا بدا ذلك السكون أثقل من خسارة مباراة؛ لأنه أعاد المدينة، دفعة واحدة، إلى الزمن الذي كانت تحاول الهروب منه.
تجمد الزمن في القاهرة ليس بمقياس الساعات، بل بمعنى الأرواح. منذ أكثر من عقد، بدا المستقبل كأنه ممر ينتهي بجدار، والخوف لم يجعل الناس أكثر صمتًا فحسب، بل غير علاقتهم بالحياة نفسها. سيطرت غريزة البقاء، وصارت النجاة حلمًا عزيزًا، والمغامرة ترفًا لا يجرؤ عليه إلا القليل. وشيئًا فشيئًا، تحولت الحياة إلى إدارة للخسائر، لا إلى

بحث عن الاحتمالات. حتى الأفراح الكبرى فقدت قدرتها على زلزلة المدينة. 
حين تأهلت مصر إلى كأس العالم، فرح الناس، لكن فرحهم كان حذرًا، كأن سنوات طويلة علمتهم ألا يمنحوا قلوبهم للحظة كاملة، وأن يتركوا دائمًا جزءًا منها خارج الاحتفال… احتياطًا للخيبة المنتظرة… كأن القلب، هو الآخر، تعلم أن يحتفل بالنصف الحذر. 1
لا ندخل إلى الملعب تاركين العالم خلفنا، كما لا نخرج منه أشخاصًا آخرين. نحمل معنا إلى المدرجات كل ما عشناه خارجها؛ أفكارنا عن العدالة، وخبرتنا

بالقوة، وذاكرتنا عن الانتصارات والهزائم، وأحلامنا المؤجلة، وحتى خيباتنا الصغيرة التي لا علاقة لها بالكرة.
لكننا نبحث في الملعب عن لحظات معلقة في الهواء، ومشاعر تلهث وراء فرص للخروج عن المتوقع. لا تصبح المباراة مجرد منافسة بين فريقين، بل تتحول إلى مسرح يعيد الناس فوقه تمثيل العالم. لكن كرة القدم لا تكتفي بعكس الواقع، إنها تعيد ترتيبه؛ فالخريطة التي تحكم السياسة والاقتصاد ليست هي الخريطة التي تحكم الملاعب.
في العالم الذي نعيش فيه، تتحدد مراكز

الدائرة السحرية ليست هروبًا من الواقع، ولهذا كرة القدم واحدة من المساحات النادرة التي يعاد فيها توزيع المكانة الرمزية بين الأمم

القوة بالاقتصاد والسلاح والتكنولوچيا وبالقدرة على فرض الإرادة.
أما في عالم كرة القدم فتتبدل الموازين. تصبح الأرچنتين، التي تتعثر اقتصاديًّا منذ عقود، والبرازيل، بكل تناقضاتها الاجتماعية، قوتين عظميين تصنعان خيال اللعبة. وتتحول مدن الجنوب وأحياؤه الفقيرة إلى مصانع للمواهب التي تمنح العالم متعته.
وفي المقابل، لا تستطيع الإمبراطوريات القديمة أن تستدعي تفوقها السياسي أو الاقتصادي إلى داخل المستطيل الأخضر. عليها أن تخضع، مثل غيرها، لمنطق اللعبة، وأن تقبل بأن التاريخ الاستعماري لا يسجل هدفًا، وأن التفوق

الاقتصادي لا يحسم مباراة، ولا يخلق عبقرية لاعب. هذا تقريبًا ما سماه يوهان هويزنجا "الدائرة السحرية"؛ ذلك العالم المؤقت الذي يقبل الناس دخوله بإرادتهم، ويوافقون داخله على قواعد مختلفة عن قواعد حياتهم اليومية. 
الدائرة السحرية -كما نراها- ليست هروبًا من الواقع، إنها نوع من التفاوض معه، داخلها لا ينسى الناس العالم، بل يعيدون تخيله. ولهذا تبدو كرة القدم واحدة من المساحات النادرة التي يعاد فيها توزيع المكانة الرمزية بين الأمم. ليست أكثر عدلاً من العالم، لكنها أكثر انفتاحًا على الاحتمالات.

اقرأ أيضاً

ملوك النشوة الجماعية

ملوك النشوة الجماعية

لقاءلم يحصل بين مارادونا ونجيب محفوظ

لقاءلم يحصل بين مارادونا ونجيب محفوظ

لماذا لا شيء أسوأ من كأس عالم سيئة

لماذا لا شيء أسوأ من كأس عالم سيئة

 سيرچي دانيه في مجاميع يوسف شاهين

 سيرچي دانيه في مجاميع يوسف شاهين

لحظات سعادة

لحظات سعادة

التجمد في الزمن

التجمد في الزمن