في الحلقة الثانية من حكايات عن آلهة الوقت، لا نتكلم عن الماضي ولكن عن اللحظة التي انفجرت فيها المشاعر، وكأن المجتمع تخلص فجأة من أثقاله، واختبرت المدينة معنى الفرحة الجماعية.
استدعى صلاح اللحظة الساحرة التي مررها إليه بانينكا ليختبر أن القوة ليست في العنف، وإنما في الجرأة
في ملعب دالاس اجتمعت ثلاثة أزمنة في لحظة واحدة. لحظة لم تمنحها الكاميرات ما تستحق من انتباه. قبل أن ينتهي الوقت الإضافي، دفع المدرب الأسترالي بحارس مرمى متخصص في التصدي لركلات الترجيح.
لم يكن التغيير فنيًّا فقط، بل رسالة نفسية تقول للاعبي مصر: لدينا لاعب يعرف كيف يهزمكم. لكن أمام مقاعد المنتخب المصري، كان زمن آخر يعمل. فتح محمود سليم، محلل الأداء، شاشة صغيرة؛ مستعدًا بملف كامل عن الحارس الاحتياطي، وعاداته، واحتمالات حركته.
الأكثر إثارة أن حسام حسن، ابن زمن
الفرص الضائعة، صمت. استمع. ووثق في ما تقوله المنظومة الحديثة للتدريب. كانت لحظة لم يتوقعها منه كثيرون، خصومه قبل محبيه.
وفي الجهة الأخرى، كان محمد صلاح يعيش زمنًا ثالثًا. كان يعرف أنه ربما يقف عند المنعطف الأخير في رحلته مع كأس العالم، وأن الخبرة، حين تبلغ هذا العمر، لا تعود مجرد مهارة، بل تصبح ذاكرة كاملة. ذاكرة استدعت مشهدًا مضى عليه نصف قرن؛ نهائي أوروبا عام ١٩٧٦.
يتقدم لاعب تشيكوسلوفاكيا أنطونين بانينكا إلى علامة الجزاء. لا يطلق قذيفة، ولا يبحث عن الزاوية، ينتظر
حارس ألمانيا الغربية حتى يقفز إلى أحد الاتجاهين، ثم يرفع الكرة بخفة إلى قلب المرمى. في تلك اللحظة، اكتشفت كرة القدم أن الخيال قد يهزم القوة، وأن الجرأة ليست دائمًا في التسديد بعنف، بل أحيانًا في مخالفة كل ما يتوقعه الآخرون.
لم يكن محمد صلاح يقلد بانينكا؛ كان يخاطر. وكما قال أمام الميكروفونات: "من للمخاطرة إذا لم أكن أنا؟". كان يتحاور مع الزمن. كأن لاعبًا من براغ، قبل خمسين عامًا، مرر الكرة أخيرًا إلى لاعب مصري في كأس العالم.
هكذا تسافر الأفكار. لا في الكتب والمحاضرات، بل في الأجساد، وفي الحيل
الصغيرة، وفي الشجاعة التي يتركها جيل لمن يأتي بعده. لا يبدأ كل جيل من الصفر؛ إنه يلتقط الكرة التي تركها السابقون… ويواصل اللعب.
1
انتهت اللحظة. استقرت الكرة في الشباك. التفت محمد صلاح بطرف عينه. لم تكن نظرته احتفالاً عابرًا، بل نظرة لاعب يتأكد من أن رسالته قد وصلت، ومن أن عبئًا هائلاً قد انزاح عن كتفيه، قبل أن يمرر ثقته إلى زملائه، ثم إلى ملايين آخرين.
ومع الركلة الرابعة، أطلق حسام عبد المجيد قذيفة بعد دبدبته القصيرة في الأرض، لتعلن صفارة الحكم عبور
المنتخب المصري إلى مستوى جديد. في اللحظة نفسها، انطلقت الصرخات من دالاس إلى القاهرة، ثم إلى مدن مصر ومدن العالم العربي. تحررت جموع كبيرة، ولو لساعات، من نظامها اليومي، وبدأ الكرنڤال.
في الكرنڤال تتبدل المواقع، ويحدث خروج مؤقت من النظام الاجتماعي. تتساقط، ولو حتى حين، طبقات التبلد التي يعتصم بها الخائفون من الغرباء والمختلفين والمتصارعين على علامات التفوق الاجتماعي.
اختفت في القاهرة، ولو للحظات، نظرات التشكك التي تراكمت خلال أكثر من ١٢ عامًا.