ماذا لو التقى نجيب محفوظ "رجل الساعة" ومارادونا الذي كان يفعل كل شيء ليهزم الوقت، وبينهما "ملك كرة القدم" حسين حجازي… وكيف صنع كل منهم من لحظته العابرة زمنًا لا يمر؟
أدهشني نجيب محفوظ في المرة الأخيرة التي قابلته فيها. كان يجلس في منتصف دائرة من المريدين والأصدقاء، في واحد من مواعيده الأسبوعية بعد نجاته من محاولة الاغتيال. كنت ضيفًا عابرًا؛ أراقب أكثر مما أتكلم. كان يتفاعل بابتسامة ثابتة مع كل من وما حوله، لكن لم يكن من الصعب اكتشاف أن الرجل التسعيني غارق خلف هذه الواجهة في عالم آخر، أو ربما في زمن آخر. خلال جلسته، كان يبدو كمن يتأرجح بين الحضور والغياب. وعلى رأس كل ساعة تمامًا يمد يده إلى جيبه، يخرج سيجارته ذات الفلتر الطويل، ويشعلها باستمتاع. وهو يفعل ذلك
دون أن ينظر إلى الساعة المعلقة في منتصف الصالة. وتضاعفت دهشتي عندما وقف فجأة وسط الكلام، مودعًا الجميع وغادر المكان. بشكل تلقائي نظرت إلى الساعة؛ كانت التاسعة تمامًا. موعد مغادرته المعتاد.
كان الزمن عند نجيب محفوظ شيئًا أكثر من عقارب تتحرك. شعرت بذلك أنا الذي عشت محاولاً خلق وقتي الخاص في مواجهة حمى الهوس بالوقت، باعتباره معيار الإنجاز والالتزام في عالمنا الحديث.
كيف عاش محفوظ داخل الوقت إلى هذا الحد؟ كيف ذاب جسده في إيقاعه حتى أصبح كأنه لم يعد ينظر إلى الساعة، بل أصبحت الساعة تنظر إليه.
قاومت في بداية شبابي محبة نجيب محفوظ وساعته المنظمة للفوضى. كان يجذبني وقتها صناع الفوضى مثل مارادونا الذي عاش في مواجهة الوقت. يحاول في كل مباراة أن يخطف الزمن داخل الملعب، أن يحول لحظة عابرة إلى لحظة أبدية، وأن يصنع من ثانية واحدة زمنًا كاملاً.
نجيب محفوظ كان يدير الوقت كي يفهم الزمن. مارادونا كان يتحدى الوقت لكي يهزمه. وبينهما كرة القدم؛ اللعبة التي تحاول منذ أكثر من قرن أن تحول الوقت إلى زمن، وأن تجعل من لحظة لا تتكرر تاريخًا لا ينسى. كرة القدم أجمل لقاء بين الغرباء. كل منهم
يحمل زمنه الخاص، يضعه للحظة في وعاء جماعي. يتابعون اللاعبين طوال تسعين دقيقة ليصطادوا زمنًا مشتركًا من لمسة عابرة أو ضربة رأس أو ركلة قدم. وعندما أقول مثلاً لأجيال تالية: "أنا من جيل مارادونا". لا أحدد عمري فقط، بل أحدد الزمن الذي تشكلت داخله… وكان من علاماته ظهور لاعب في الملعب أفسد مراسم الخضوع التام.
1
كلما ظهر مارادونا كان يعثر على طريقة جديدة ليصبح مركز الحكاية. حتى في روسيا سنة ٢٠١٨، بعدما انتهت أيامه لاعبًا، ظلت الكاميرات تطارده أكثر مما تطارد كثيرًا من اللاعبين داخل الملعب.
هل كان مارادونا يصلح لأن يكون واحدًا من درج الشلة عند نجيب محفوظ؟ -الصورة معدلة بالذكاء الصناعي
وفي مباراة نيچيريا كان يصلي ويبتهل. بعد دقائق يرقص مع إحدى المشجعات. ثم يرفع ذراعيه إلى السماء كقديس ممتن لمعجزة صغيرة. وبعدها بلحظات يرفع إصبعه الوسطى كطفل يكتشف متعة العصيان للمرة الأولى. وحين أحرزت الأرچنتين هدفها بدا كأن طاقته قد استُهلكت دفعة واحدة. ابتهج، وبكى، وانهار، ثم غفا للحظات كعجوز متعب في منتصف المباراة. كل ذلك كان يحدث بينما الكاميرات تلاحقه بلا مقاومة، كما لاحقته طوال حياته: في الضوء والظلام، في الملعب والمستشفى، في لحظات المجد ولحظات الانكسار.
كأنها تعرف أن مارادونا يصنع مباراة
أخرى موازية أينما ظهر. في الملعب الذي شهد ولادة نجوميته، يضع على جسده قميص بلده الأرچنتين وقميص ناديه بوكا چونيورز، وتلمع الدموع في عينيه وعيون مئات الألوف من المتورطين في لعبته، وكلما تصاعد كريشندو النهاية كان مارادونا يلقي بنفسه من أعلى بناية إلى سيارة عابرة تقوده إلى عالم جديد.
هارب كبير، كلما هرب أكثر أقام أكثر في تاريخ عاطفي قائم على التواطؤ بينه وبين جمهور اعتاد تطبيق المواصفات القياسية على أي نجم ولاعب، لكن عنده… عند مارادونا يجعل الجمهور من نزق القديس دينًا جديدًا.
كانت الكرة تلتصق بجسمه وترفرف روحه على كل الملاعب، كأن اللعبة بعده لم تعد تلك التي بدأت في حضارات مختلفة ولا التي أدخلها الإنجليز لعالمنا الحديث.
مارادونا إله من آلهة الكرة، جاء ليثبت أنها ليست لعبة الآلهة الأبدية، إنها لعبة البشر؛ يكسر اللاعب قانون الألوهية ويفتت إطلاقها أو ديمومتها. يجعلها بنت الوقت، مثل آلهة عجوة كان الناس يلتهمونها بعد الصلاة لها. والألوهية الوقتية هي سحر كرة القدم. اللاعب يصبح إلهًا لساعات، أو لموسم، أو لجيل كامل. ثم يعود إلى بشريته. وكلما ظهرت هذه البشرية زاد تعلق