عن القاهرة، المدينة التي تفاوض معها على مقدار الغربة..قطعة جديدة من أرشيف وائل عبد الفتاح عن صنع الله إبراهيم، حوار منشور في ٢٠ يونيو ١٩٩٩، تتجول فيه داخل العلاقة المعقدة بين الكاتب و المدينة.
القاهرة في هذا الحوار ليست مجرد مدينة يتحدث عنها كاتب، إنها مساحة التفاوض مع الكتابة، والمختبر اليومي الذي تتصارع فيها مكوناته المتناقضة. تكون وعي صنع الله في أحزاب اليسار، ليرى المدينة تعبيرًا عن نظام اجتماعي وسياسي، عن الطبقات والسلطة والإعلام والتاريخ وكل ما يصنع الواقع اليومي للناس. في المقابل تقوده حواسه إلى الشك في كل الخطابات، هادمًا اكتمالها ومحررًا رؤيته من الفكرة المجردة ليرى الأشياء والعلاقات والناس من مزيج الوعي السياسي و الحواس: عقل ناقد بإنحياز كامل وعين تنفر من القذارة،وتبحث عن الأشجار والهدوء
والبيوت الرحبة وتكره الشوارع المزدحمة بالمحال والضجيج، ونفس تحتاج إلى العزلة لكي تستعيد توازنها. عين صنع الله لا ترى الواقع من زاوية الخطاب الرسمي للدولة أو حتى الحزب اليساري، ولا من زاوية حسية منفصلة عن الوعي بالعالم وصراعاته الطبقية. الأفكار تمر عبر الحواس، والحواس تقود إلى الأسئلة. المدينة السياسية تظهر في القمامة، وفي شكل الشوارع، وفي الفارق بين بنايات الأثرياء والأحياء الفقيرة، كما تظهر في علاقة الناس بالمكان ووفق شبكة علاقاتهم الاجتماعية. ومن هذه النقطة يمكن أن نفهم شيئًا من التوتر الذي يمر في الحوار كله، وفي العلاقة مع
وفي العلاقة مع أدبه وشخصه. هذا التوتر بين نقيضين : الانتماء والعزلة.
صنع الله يرفض كلمة الانتماء حين تتحول إلى شعار، ولا يستطيع أن يكتب بعيدًا عن المكان واللغة والذاكرة. يريد أن يكون بعيدًا عن الجماعة، لكنه يظل مشغولاً بما يحدث داخلها. يحتاج إلى المسافة، لا لكي ينسحب من الحياة، وإنما لكي يراها. وهذه المسافة مهمة في تجربة صنع الله، ربما لأنها تسمح له بأن يهدم بعض المقولات الجاهزة، من دون أن يفقد الصلة بنقطة الإنطلاق التي جعلته يربط الكتابة بالحرية. ونقطة انطلاق صنع الله هي السجن. هناك في المساحة الضيقة اختار الكتابة
للتعبير عن فوران داخلي تجاه العالم الواسع. القاهرة في الحوار ليست مجرد مكان رومانسي. لكنها ساحة صراع متواصل وديالكتيك حاد النبرة بين القرب والبعد. وبعد كل هذه السنوات استوقفتني في الحوار، شحنة إشارات إلى الطريقة التي تتداخل بها السياسة والحواس والذاكرة في عقل كاتب ظل راغبًا في أن يكون قريبًا من العالم، وبعيدًا عنه في الوقت نفسه. وفي هذا ما يصلح للدهشة التي تفتح زاوية أخرى أبعد من نظرتي للحوار وقت نشره...وجعلتني ألتقط أثناء إعادة القراءة ماذا تعني المسافة في رحلة صنع الله ومامنحته له هذه المسافة ليكتب
عن المدينة، و الآخرين، وعن نفسه. وهذا هو الحوار.
صنع الله إبراهيم بين الغربة والعزلة والمدينة: أكره أماكن المثقفين في القاهرة
«من حافة إلى حافة» عنوان الكتاب الذي صدر في القاهرة (وقت الحوار ١٩٩٩) لصاحب "تلك الرائحة" و"شرف" و"نجمة أغسطس" وغيرها من الروايات، وفي هذا الكتاب الصادر بالإنجليزية(عن الجامعة الأمريكية)يتحدث الروائي صنع الله إبراهيم عن تجربته مع مدينة القاهرة وعلاقته بها، في التقاطع مع سيرته الذاتية.
مكان الكتابة
* هل الكتابة هي التي تربطك بالمدينة؟! هل تفشل عادة في الكتابة خارج مدينتك؟
– سأحكي لك تجربة أخرى، عشت في برلين ثلاث سنوات (كان ذلك خلال النصف الأخير من الستينيات). كنت أعمل في وكالة أنباء، مرتاح ماديًّا وحياتيًّا، ومع ذلك لم أكن سعيدًا، لأنني أريد أن أكتب، والعمل في الوكالة يستهلك أغلب ساعات اليوم. اتفقت مع الوكالة على أن أعمل نصف الوقت بنصف أجر. كنت أخطط للإقامة المستمرة هناك، حيث ارتبطت بعلاقة بفتاة ألمانية رتبنا فيها لمشروع زواج...
لكن مشكلة الكتابة ظلت مؤرقة بالنسبة إلي. كيف سأكتب، والكتابة في ذهني ترتبط باللغة والمكان.. هل سأكتب باللغة العربية وأرسل ما أكتبه لينشر في القاهرة، وماذا سأكتب هنا في ألمانيا؟ البديل أن أكتب للألمان. وقتها تعرفت إلى كاتب هندي يعيش هناك أيضًا، ويصر على الوجود في المجتمع الألماني، كان يكتب قصصًا بوليسية بالإنجليزية، وزوجته الألمانية تترجمها. هذا هو المتاح أمامي إذن: قصص بوليسية أو مغامرات. وبالفعل فكرت في مثل هذه الكتابة... لكنني لم أجد حافزًا لكي أكتب. هذه التجربة كشفت لي شيئًا مدهشًا، أنه حتى لو كنت أتقن