من أرشيف وائل عبد الفتاح هذه المرة مقال عن تحولات القاهرة بين زمنين، في رواية صنع الله إبراهيم "أمريكانلي" ورواية رضوى عاشور"قطعة من أوروبا"، الذي نشر للمرة الأولى في صحيفة المستقبل، ٣٠ أغسطس ٢٠٠٣
لا تصلح القاهرة خلفية في استوديو تصوير فوتوغرافي، ولا كارت بوستال في معارض الطغاة. هي نوع مخادع من المدن؛ تمنح الوهم للمغرور والعابر والتاجر، وفي الوقت نفسه يتحول ساكنها إلى طبقة من الطبقات العاطفية والسياسية، سواء وعينا أو لم نعِ.
القاهرة هنا جرح يترك للأبد آثاره، وبصمات تفضح سلالتها رغم فرديتها. ومن ذاك الجرح وتلك البصمة تقرأ الروايات عن القاهرة، وكأنك محشور في ممر طويل.
في عام واحد، وفي فترة متقاربة، قرأت رواية صنع الله إبراهيم "أمريكانلي" ورواية رضوى عاشور "قطعة من
أوروبا". صنع الله إبراهيم ورضوى عاشور من جيل واحد تقريبًا، بدأ تفاعلهما في لحظة كانت القاهرة تخرج من زمن الاحتلال، بعد أن احترقت في يناير ١٩٥٢، ثم دخلت تحت خيال جديد مع الضباط الذين أرادوا أن يصنعوا مصر محلية الصنع.
كان حريق القاهرة لحظة فاصلة في الروايتين، لكنه لم يكن نهاية زمن وبداية زمن فقط. بعده بدأت القاهرة نفسها تصبح ساحة للصراع حول معنى مصر: ماذا نفعل بالمدينة التي ورثناها؟ هل نقطع معها أم نعيد اكتشافها؟ هل القاهرة التي تشكلت طبقاتها عبر قرن من الاحتلال والهجرة والتجارة
والرأسمالية والتحديث مدينة ينبغي التخلص من آثارها، أم مدينة يمكن أن نعيد قراءتها؟ ومع تعقد المسارات السياسية والاجتماعية للحكام الجدد، بدأ يظهر صراع آخر داخل الذاكرة نفسها. حنين إلى أزمنة القاهرة القديمة، إلى المدينة التي كانت تبدو أكثر انفتاحًا وتنوعًا، في مواجهة زمن جديد شكله خيال الضباط: مدينة منظمة، حديثة، وطنية، تتحرك إلى المستقبل وتقطع مع ما تعتبره بقايا الماضي.
لكن لا صنع الله ولا رضوى عاشور يقدمان لنا زمنًا جميلاً يمكن استعادته ببساطة. القاهرة القديمة عندهما ليست يوتوبيا، والقاهرة الجديدة
ليست خلاصًا. كلاهما يحاول أن يمسك بالتناقضات التي صنعت المدينة، وبالطبقات التي أخفاها كل مشروع عن نفسه.
اليوم تبدو المسألة أكثر تعقيدًا؛ القاهرة تتحول مرة أخرى، لكن هذه المرة بخطة تتصارع داخلها رغبتان: رغبة في تحويلها إلى مدينة نيوليبرالية، شيء مثل دبي ملصق على الجسد القديم متعدد الطبقات للقاهرة، وأخرى تريد تكهينها كعاصمة قديمة لا تصلح سوى بازار ومزار، بمنطق: "تعالى اتفرج على الماضي الجميل"!
وفي الحالتين شيء غائب عن الصورة: المدينة التي يسكنها الناس.
عن القاهرة بين زمنين وروايتين ومعمارين ورؤيتين نشر هذا المقال للمرة الأولى منذ ٢٣ عامًا، ولا تزال الأسئلة التي طرحها معلقة تتغير إجاباتها كل حين
والسؤال الذي كان مختبئًا في الروايتين يعود الآن، أكثر قسوة: هل نريد القاهرة التي نعيش فيها، أم القاهرة التي نريد أن نعرضها؟
رواية الأسى السياسي
هناك حنين خفي للكوزموبوليتانية، بالتحديد لشكل مدينة مثل القاهرة في الأربعينيات؛ حنين تجاوز المثقفين. بعضهم ربما يحتج على حجاب الهوية القاتلة الذي يبدو أحيانًا في طريقه للسيطرة على الذهن والخيال. من قومية الستينيات وحتى إسلامية الثمانينيات وما بعدها؛ هوية تتصارع وهي مهزومة، تضع عدوها على لوحة التصويب، وتعيد إنتاج صورة منسوخة
لتكوِّن هي "صورة" المدينة كما في يوتوبيا أنبياء الهوية النقية... لكن
هل قاهرة الأربعينيات وما قبلها
كانت اليوتوبيا؟
بقليل من التأمل يمكن ملاحظة أن كوزموبوليتانية (التاريخ الحديث للقاهرة) في مستواها الأول لم تكن تعبر عن تعددية، بل عن سيادة أوروبية. هي إعلان للتفوق الأوروبي، خصوصًا في المهاجرين المنتمين إلى دول استعمارية مثل بريطانيا وفرنسا. هؤلاء كانوا يعتبرون وجودهم رسالة حضارة وتحديث إلى الشعوب المتخلفة.
ولعل رباعية الإسكندرية لألكسندر داريل -الأديب البريطاني، بل الأيرلندي،