في نصوص السبت الأخير ننشر هذا المقتطف من رواية "النبي الصغير"، الصادرة حديثًا للكاتب إيهاب عبدالحميد، عن "ديوان للنشر"، عن عالم شاب بلا ذاكرة في صحراء مزدحمة بالأساطير والشك واليقين والمصائر الكبرى.
-عاااااااا!
حطَّ الليل على أجفان المملكة فانزلقت إلى النعاس. أصوات الليل المعتادة: وشيش أشجار، نباح كلب، زقزقة النجوم وصراصير الليل. لم ينشز عنها إلا صرخة جميان الطبيب، في غرفته النائية، في بيته الفسيح:
-عاااااا!
هذا هو اليوم الخامس بلا نوم. لا يحب النوم. لا وقت للنوم.
-عاااااا!
شعر بغثيان. اتجه إلى مبصقته النحاسية الممتلئة حتى منتصفها بالرمل. تقيأ. مسح فمه في قماشة. تناول ليمونة من على الطاولة. قشَّرها بأسنانه.
أخذ يقرضها كجرذ. ظلال تتراقص على جدران الغرفة في ضوء المصباح. ظلال أدواته، أوراقه، ريشاته، قنِّيناته، أعشابه الملقاة في كل مكان. ظلال أرنب كان يشرِّحه، وحشرات بدأت تهاجم الجسد المسلوخ. أمسك الأرنب من أذنيه، وطوَّحه من النافذة.
عصارة الليمون تنعشه وتثيره. يتقيأ مرة أخرى. يخرج مسحوقًا من كيس. يفرغه في كأس ماء. يفور. يشرب. يتجشأ.
-عااااا!
يشعر ببعض الراحة في معدته. يروح ويجيء. يدور حول نفسه محاولًا الإمساك بفكرة، لكنه يعرف أن ذهنه مشوَّش.
خمسة أيام الآن وهو يتناول تلك الأعشاب المنشِّطة. لم ينم ولا ساعة واحدة. النوم موت. لا يحب النوم. لا وقت للنوم. الحياة قصيرة. يريد أن يعمل. يريد أن يكتسب المعارف. أيُّ معارف سيجلبها النوم؟
يصفَّق بيديه:
-تشاك تشاك تشاك تشاك!
يضرب الحائط بقبضته:
-طَم طَم طَم طَم!
يرتمي على الفراش ويحاول أن يهدأ. يعرف هذه الحالة. لن تنتهي إلا بزوال تأثير الأعشاب المنبِّهة التي تناولها على مدار الأيام الخمسة الماضية. كان قد ذهب إلى الخمّارة بعد المغرب ليشرب البيرة. البيرة توازِن تأثير تلك الأعشاب
قليلًا. وانتهى به الأمر إلى شرب قدح بعد قدح. كان وحيدًا، وكان نُصرات دوم دوم يجلس بعيدًا عنه. توجه إليه ورمى له بعض الدراهم وقال:
-غنِّ يا دوم دوم.
أمسك دوم دوم بطبلته الصغيرة يضرب عليها. ثم شرع يغني بطبقة غليظة. أغنية حزينة عن الحبيب صاحب القدِّ الجميل والعيون الواسعة.
أخذ جميان يهز رأسه مع الإيقاع، ثم نهض وراح يتمايل وألقى لدوم دوم بدراهم أخرى رنَّت بداخل طاسة خمره الخاوية.
ازدادت حماسة دوم دوم وانتقل إلى طبقةٍ أحدّ.
ثم بدأت مجموعة من القرويين الناعسين الجالسين على جنبٍ في التجاوب معه، مشاركين في الإيقاع بالتصفيق، الصفير بين الأسنان، طقطقة الألسن، والضرب على الطاولة.
ازداد انتشاء جميان، ومضى متراقصًا إلى القرويين، وأفرغ أمامهم بقية كيس الدراهم.
أخرج أحد القرويين نايًا وشرع في العزف، وانتقل دوم دوم في غنائه إلى طبقة شديدة الحدة.
وساد الخمّارة جو احتفالي حزين. جميان يرقص ببطء، بيديه وكتفيه ورأسه وجذعه وخطوات بطيئة من قدميه.
ثم أفرغ كيسًا آخر من الدراهم في طاسة دوم دوم.
الآن يتذكر الإيقاع. يردده بصوت عالٍ: -دوم. طا طا. دوم دوم. طا. دوم. طا طا. دوم دوم. طا.
يهبُّ من على فراشه، ويلعب الإيقاع بقدميه وهو يقفز على الأرض الخشبية. تتشابك الأصوات مع أصدائها في نشاز ممتع:
-دوم. طق. طا. طق. دوم دوم. طا. طق طق.
يتوقف ويلهث. يلمح انعكاس صورته على لوح زجاجي مكسور. صورة شبح. يصرخ جذلاً وهو يصطنع الفزع:
-عاااو عاااااو عااااااااااااو.
يقول إنه جُنَّ.
ثم يقول إنه تأثير الأعشاب. ثم يقول إنه تجاوز الخمسين من عمره ولم يفعل شيئًا في حياته.
هو أعظم طبيب في الدنيا، ولكن ما الفائدة؟ هو طبيب السادة وعلية القوم، وما الفائدة؟ هو الذي اكتشف أدوات لمنع الحمل، وعلاجات لزيادة النسل، ووصفات لكل مرض عابر، وما الفائدة؟
- القانووووووووووووووووون.
ويتذكر أنه صاح بهذه الكلمة في الخمّارة، وهو يحدِّق في الجميع بحقد. ضحك بعضهم، وبدا الخوف على البعض الآخر. وهو كان واعيًا، لكنه ثَمِل.