من تاريخ التحريم لأسئلة الرغبة والإيروتيكية «ألف ليلة وليلة» ككتاب يهدد السلطة بالخيال، ويمنح الحكاية قدرة على التحرر. فهل شهرزاد مخيفة لأنها أغوت شهريار، أم لأنها انتزعت منه سلطة الحكي والقرار؟
تقول الأسطورة إن الموت يلاحق كل من يقرأ "ألف ليلة وليلة" كاملة.
يتعدد التحريم ويطارد كتاب الليالي في تاريخ طويل من الريبة والمنع؛ أغربها سلسلة القضايا ضد الكتاب في مصر عام ١٩٨٥، بداية من القضية الشهيرة ضد حسين محمد صبيح، صاحب مطبعة بميدان الأزهر، حين حرر ضابط في "إدارة رعاية الأحداث" محضر ضبط "بعد تحريات"، وتولت نيابة الآداب القضية وأذنت تفتيش مكتبة ومطبعة صبيح، فضبطت أربع نسخ من الليالي على الرفوف، و١٨٩٠ نسخة في المخزن، و١٢٨٠ "كليشيهًا" لطباعة الكتاب.
وضبطت في المكان نفسه نسخًا من
كتاب "تسهيل المنافع" ضم إلى الاتهام. جاء في أوراق القضية "إن النيابة العامة قد اتهمت المتهم في يوم ٣ إبريل ١٩٨٥ بدائرة قسم الجمالية محافظة القاهرة بأنه: 1- صنع وحاز بقصد الإتجار والتوزيع والعرض مطبوعات منافية للآداب العامة مؤلف "ألف ليلة وليلة" ومؤلف "تسهيل المنافع" وذلك على النحو المبين بالأوراق.
2- استعمل الكليشيهات المضبوطة في نشاطه الإجرامي سالف الذكر، كما أن المطبوعات المضبوطة تعد حيازتها أو بيعها أو عرضها جريمة على النحو المبين بالأوراق، وطلبت عقابه بمقتضى نص المادتين ١/١٧٨،٣٠ عقوبات
المعدلة بالقانون ٢٩ سنة ١٩٨٢.
وحيث إن واقعة الدعوى -حسبما يتبين من محاضر الضبط والتحقيقات وسائر الأوراق- توجز فيما أثبته الرائد علي السبكي بإدارة رعاية الأحداث في محضر الضبط المؤرخ٣ إبريل ١٩٨٥ الساعة ٥:٤٥م من ورود معلومات تفيد قيام مكتبة ومطبعة محمد على صبيح وأولاده الكائنة بميدان الأزهر بالقاهرة بطبع وترويج نسخ من كتاب "ألف ليلة وليلة" تحوى قصصًا وألفاظًا خادشة للحياء وخارجة عن الآداب العامة.
وأنه بإجراء التحريات السرية حول هذه المعلومات تبين صحتها حيث حصل على نسخة من الكتاب المذكور بشرائها من
المكتبة سالفة الذكر الكائنة بالعقار ١٨٠ وقف خيرى بميدان الأزهر، وبفحصها تبين له أنها تحوي قصصًا وألفاظًا وصورًا مرسومة مخلة بالآداب العامة وخادشة للحياء ومنافية لأخلاق المجتمع المصري مما يدعو النشء للانحراف والفساد ويقع تحت طائلة نص المادة ١٧٨ عقوبات".
شهد العام نفسه هجومًا شرسًا، ورفعت عدة قضايا على مكتبات تبيع ألف ليلة وليلة، فصودرت النسخ في مكتبة صبيح وفي أحد أكشاك سور الأزبكية، وفي مكتبة بطنطا في القضية رقم ٢٤٦٨ لسنة ٨٥، واقتحمت شرطة الآداب دار الكتاب المصري اللبناني، وقدم صاحبها
حسن لبيب الزين ومديرها محمد محمود رشاد إلى النيابة.
وقد طلب وكيل النيابة خليل عمر طالب في مرافعته بإحراق الكتاب في ميدان عام.
كانت الثمانينيات في مصر بداية حقبة جديدة للرقابة على الكتب والأفكار التي اعتبرت خطيرة على مجتمع صبغ بالتأسلم، كانت ذروة هذه الحقبة اغتيال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، وبسلسلة طويلة من الرقابة على كتب وروايات.
لكن قبل ذلك التاريخ؛ شهدت الليالي تاريخًا سابقًا من التشكك والازدراء، فوصفه ابن النديم قديمًا في "الفهرست"
باعتباره كتابًا "غثًا بارد الحديث"، وأخرجه من "نظام الأدب" المتعارف عليه، إلى نوع أدنى من الكلام مخصص للعوام.
لم يعترف بالليالي ككتاب أدبي إلا بعد اكتشافه على يد الغرب، بداية من ترجمة أنطوان جالان عام ١٧١٧، التي حرفت كثير من الحكايات وأضافت حكايات أخرى مشكوك في مصدرها مثل حكايتي السندباد وعلاء الدين،
ولم تكن أمينة في نقل الكتاب كما هو.
لكن هذه الترجمة المحرفة كانت فتحًا لعدة اكتشافات وتنقيبات غربية حول الليالي، ومن ثَم صدورها في طبعات متعددة بمقدمات مختلفة على مدى
قرون، بعد أن قفزت بعض الترجمات الغربية إلى استنتاج مختزل ينفي عربية الكتاب ويعتبره قصصًا "هندية أو فارسية" مترجمة إلى العربية، وركزت بعضها على إيكزوتيكية الشرق، فيما اصطبغت بعضها بفضول غرضه الاستكشاف الاستعماري.
في النهاية استقرت "ألف ليلة وليلة" كتابًا موثقًا في طبعاته الحالية، أهمها وأوثقها طبعة بولاق المصرية.
بطريقة أو بأخرى، ألقت النظرة الاستعمارية برونقها على كتاب الليالي، الذي لقى الاعتراف عربيًّا بعد التفات الغرب له.
ورغم ما لقاه الكتاب من دراسة وتقدير