مقال لم ينشر من صندوق حسن سليمان يتتبع فيه كيف أعاد جوجان اكتشاف الفنون القديمة من مصر الفرعونية لمنمنمات الشرق، وماذا وجد فيها ليحرر اللون من قيوده ويصوغ عالمًا تتجاور فيه البدائية والرقة والضراوة.
أذكر في بدء دراستي بكلية الفنون الجميلة أن قال لنا أستاذ متحمس للفن الفرعوني وأسلوبه المميز في الرسم إن الفنان المصري القديم بعد دراسات طويلة استقر به الرأي على أن يرسم بهذه الكيفية، أي أن يرسم الوجه والساقين من الجانب، أما الأكتاف والجسم فمن المواجهة، وذلك لأنها أكمل طريقة للتعبير والتلخيص.
كنا صغارًا، ولم يكن في مقدورنا المناقشة، ولم يكن لدينا الوعي الذي يجعلنا ندرك حقائق الأمور، لكنه كان يدهشنا دومًا بحماسه.
ومرت السنون، ووجد في الحقل الفني المتحمسون دائمًا للرجوع لمصر
الفرعونية وتقليد الطريقة الفرعونية في الفن، وكنا في موقف لا هو تأييد ولا هو رفض، أي كما قال ماو تسي تونج "دع كل الزهور تتفتح".
ومع تقدم السن بي كان في مقدوري أن أحدد أن أي نعرة عنصرية لثقافة محددة أو إحياء لتراث إقليمي إنما يحمل فكرًا فاشيًّا، لأن مع التعصب تضيع النظرة الموضوعية أمام فكرة إثبات أن شيء معين أو جنس معين أفضل من الآخرين كلهم. ومع زيادة الثقافة والبحث اتضح لي جليًا أن الرسم بهذه الكيفية في الفن الفرعوني لم يكن خاصًا أو ملكًا لمصر وحدها، بل كان هو الأسلوب المميز لفنون المنطقة كلها
قبل التاريخ. وأكثر من ذلك أن الرسم بتلك الكيفية وبالطريقة التي توحي بأن كل الحائط يمر أمامك كشريط سينمائي هو المرحلة الأولى لكافة الحضارات الأخرى قبل تبلورها. فالفن اليوناني القديم والفن الأوترسكي بدأ هكذا،
والمرحلة الأولى "للكلتين" و"الفايكنج" و"الجلواز" رسموا الإنسان من الجانب هكذا. إذن فهي مرحلة في تطور البشرية، بالضبط كمرحلة أن يحبوا الطفل قبل أن يقف على قدميه، لكن لعوامل كثيرة ولامتداد الحبل الحضاري في مصر آلاف السنين، ولأن مصر سبقت بقية الأجناس في نضجها الحضاري،
واستطاعت أن تبلور تفكيرها إلى
مقاييس أكثر دقة وأكثر نضجًا وحساسية، أضف إلى هذا الكم الهائل الذي تركه المصريون القدامى من التراث الفني.
ولا زال يدهشنا الرسام المصري القديم بما امتاز به من رقه ونبالة وحساسية والتزام بالنسب السليمة. وفي الوقت الذي نجد فيه الأميرة أو الملكة وقد عبر عنها الفنان حاملة في يدها زهور، نجد في حضارة ما بين النهرين الأميرة أو الملكة تتسلى بتعذيب أسد صغير.
والآن نحن أمام رسم من الفن المصري القديم، وحتى مع بساطة زهور اللوتس على منضدة صغيرة تتضح لنا سيطرة
الفنان المعبرة ورقته مع التزامه بقيود
من لوحات حسن سليمان
الفن الفرعوني، فالملك وخلفه زوجته وأمامه الأشخاص المتضرعين، وقد رسمت وجوههم من الجانب والكتفين من الأمام، كأنها في حركة التفات. ولكي يعبر لنا الفنان عن أن زوجة الملك خلفه جعل يدها تختفي خلف ظهره، وأرجل الكراسي والشخوص تبدو متوازية مع سطح الصورة.
هذا هو نمط الرسم المصري، فلا توجد محاولة لخلق الحس بالعلاقة الوهمية التي تفصل الشخص عن عمق الصورة من خلال استخدام المنظور الخطي. لكن يرسم كل شئ من الجانب، والأشياء والأشخاص خلف بعضها كورق مقصوص، والأشكال صغيرة
الحجم تبين الوضع الاجتماعي الأقل أهمية وليست للتعبير عن العمق بواسطة المنظور. فالمنظور هو تصغير الحجوم كلما ابتعد الشيء، إلى أن تلتقي الخطوط المتوازية في نقطة وهمية عند أفق وهمي هو مستوى النظر، وهو أحد الوسائل التي توظف لخلق الخيال المرئي للفراغ.
هذا المنهج بدأ في القرن ١٦ ولم يلبث أن اكتمل مع نهايته وأصبح سمة مميزة للتصوير الأوروبي، إلا أننا نرى أنه بالمقارنة بتاريخ الفنون الشرقية الطويل يتضح أنه لم يستخدم إلا في مناطق قليلة من العالم وأعطيت له رغم ذلك الصدارة مع ازدياد النفوذ الأوروبي،
وهذا لا يقلل من أهمية وكمال الفنون الشرقية. جوجان تأثر بشكل واضح بالرسم المصري القديم في مرحلته بتاهيتي، وبعيدًا عن بدائية تأثير ملامح شخوصه الجامدة وإيماءاتها يعد هذا إحياءً للفن المصري والفنون الشرقية، فتعامله مع الأبعاد يتطابق معها، فيرسم أشخاصه تتوازى مع حد الصورة الطولي. يتلافى بذلك الحاجة إلى الاهتمام بالنسب ووضع الأشكال داخل المنظور، يعوض ذلك إحساس قوي باللون والشكل كما هو الحال في الفنون الشرقية، فالفنان الشرقي أيضًا اهتم بعلاقات التكوين أكثر من اهتمامه
بالمنظور، وعلى حسابه.