حسن سليمان عن لوحات أسير البرجوازية

عندما ابتكر "جورج سوراه"...أسلوبه الفريد

حسن سليمان عن لوحات أسير البرجوازية

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

مقال لم ينشر من صندوق حسن سليمان يتناول كيف استخدم الفنان "چورچ سوراه" النقط ليخضع الضوء واللون والظل لحسابات دقيقة، فابتكر أسلوبًا فنيًّا فريدًا وهو الذي عاش حياته أسير محاذير الطبقة الوسطى؟

رغم أن كل الثورات، منذ الثورة الفرنسية حتى الثورة البلشفية الروسية، قام بها أفراد من الطبقة المتوسطة، فإنه منذ بداية هذا القرن حتى نحو منتصفه كانت هناك سُبة شائعة على لسان المثقفين، إذ يقول أحدهما للآخر "أنت برجوازي"، أي من الطبقة المتوسطة. وذلك لأن الطبقة المتوسطة بحكم تكوينها من التجار وموظفي الدولة تستفيد من صراع الطبقتين العليا المسيطرة، والطبقة السفلى المغلوبة على أمرها من الفلاحين والعمال.
تستفيد دون أن تتخذ موقفًا محددًا، حرصًا وخوفًا على مكاسبها. وهي على أي حال باقية في وضعها كما هو في

معظم الأحيان.
إذن فأنت برجوازي معناها أنت "محايد"... أنت ثابت مكانك... أنت لا أثر للصراع في تصرفاتك، ويلزمك صراع كي تتخذ موقفًا.
ونحن هنا بصدد مناقشة فنان كبير، وكبير جدًا، رغم أنه لم يكن بثائر أو محتج أو متمرد. وبما أنه كان خاضعًا لمقاييس الطبقة المتوسطة من "العيب" و"الحرام"، فلم يعلن بحرية عن حياته الشخصية، بل كان يخشى حتى أن يصل إلى مسامع أمه أي شيء قد يخدش حياءها الطبقي.
كذلك أعماله، نجد كل شيء فيها ثابتًا ساكنًا هادئًا، لا أثر لاندفاع خطوط

في حياة سوراه قامت ضجة حول من سينقذ سينقذ الفن من التأثيريين: سيزان أم جوجان أم ڤان جوخ
وهو رابعهم

داخل اللوحة أو خارجها ولا أثر لصراع أو تباين الدرجات أو الألوان.
كل شيء في اتزان، كل المتناقضات الخطية واللونية في اتزان، إنه الفنان چورچ  سوراه، أول من بدأ مذهب يسمى (Pointillism) أي التعبير بواسطة النقط، وفي المرحلة التي تلت سوراه، فإن ذلك المذهب من النادر ألا نجد فنانًا لم يمارسه في بدء حياته، من أندريه ديران ودونوا دي سيجونزاك حتى ماتيس.
ولكي نبسط للقارئ هذا المذهب نحاول أن نشرحه أولاً ببساطة، أنت طبعًا تستطيع أن تضع نقطة حمراء تجعل الدفء على الورق، وتستطيع كذلك أن

تضع بجانبها نقطة خضراء تحمل برودة، وتستطيع أن تضع نقطة رمادية محايدة بجانبهما.
وطبعًا باختلاف كمية النقط الخضراء أو الحمراء أو الرمادية ستختلف طبيعة سطح مغطى بنقاط عن سطح آخر يجاوره مغطى بنقاط تحمل نسب مختلفة من سخونة وبرودة أو من قتامة وشحوب…
هل تعلم أن سوراه بنى صوره على تلك النظرية البسيطة ووصل بها إلى حالة توازن تملك هدوء كل المتناقضات؟
هو باريسي، فقد ولد ومات بباريس، ولم يمتد به العمر طويلاً (١٨٥٩-١٨٩١). كانت الحقيقة الثابتة فقط في حياته

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

فنان النقاط، الباريسي چورچ سوراه (١٨٥٩-١٨٩١).

هي أمنيته أن يمتد به العمر حتى يكمل لوحاته الكبيرة التي أعطاها كل وقته وأعصابه وسخر لها كل حياته.
ولم يكن يريد من الحياة أكثر من بضعة سنوات قليلة يستطيع فيها أن يبلور تعبيره عن نفسه.
ولأنه كان يعتبر الإطار الخارجي للأشكال والأشخاص هو الذي في استطاعته أن يحكم أسلوبه المبني على نقاط صغيرة متجاورة، لذلك فقد اعتنى كثيرًا بدراسة ذلك الخط الوهمي الذي يحدد أشكاله وشخوصه، فحملت أشكاله رسوخ الكتل.
تلك الكتل بدورها كانت تصنع في علاقاتها تكويناته المحكمة. لذلك خلق

عالمًا جديدًا وفريدًا، تمزج فيه الأشكال من النور عبر نقاط من الألوان المتباينة من برودة ودفء.
أما رسومه ودراساته الأولية حيث يمتزج الأسود بالأبيض، وتذوب الكتل في الظلمة، أو تخرج منها، فيتوهج فيها الضوء بقسوة، بجانب ضربات قلمه القوية السوداء.
إنها رسوم لا تقل عن الصور الزيتية الكاملة في قيمتها.
في حياته قامت ضجة بين الفنانين الذين كانوا يجتمعون حينذاك لدى تانجي تاجر الصور والألوان الذي كان يساعدهم كثيرًا، وأيضًا لدى ثيو أخو الرسام ڤان جوخ، وهي ضجة حول من

اقرأ أيضاً

حسن سليمان: جوجان والفنون الشرقية

حسن سليمان: جوجان والفنون الشرقية

حسن سليمان شاهدًا على حريق القاهرة

حسن سليمان شاهدًا على حريق القاهرة

آن كارسون: في مديح الخطأ

آن كارسون: في مديح الخطأ

حسن سليمان عن رمسيس يونان

حسن سليمان عن رمسيس يونان

حسن سليمان: لماذا تخاف من الفن؟

حسن سليمان: لماذا تخاف من الفن؟

حسن سليمان: بعد أن يضيء الجسد العاري 

حسن سليمان: بعد أن يضيء الجسد العاري