في مقال منشور في مجلة "الهلال" فبراير ٢٠٠٣ يجيب حسن سليمان على سؤال من أحرق القاهرة في يناير ١٩٥٢ ولمصلحة من، شهادة شاهد عيان جال شوارع وسط القاهرة، ورصد الوقائع محاولاً إنقاذ تفاصيلها من النسيان
ربما لا يعرف الجيل الجديد كيف كانت معالم القاهرة في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين.
وقد لا يعرف أحد من الجيل الجديد شيئًا عن محل أحذية "بول فافر" الذي تقع مكانه الآن محلات الشوربجي على ما أظن، ولا أن هذا المحل كان يعلِّق على واجهته حذاءً ضخمًا. وتقوم ابنة صاحب المحل اليهودية الجميلة بعمل الديكورات والرسوم لواجهات المحلات، وقد ارتبطت معها بصداقة حميمية. حيث كنا نلتقي عند الفنان "جارو هلبرت" لنتلقى على يديه فنون الرسم، وكنت متعودًا على الالتقاء بها عند
المحل عند الغروب، وتعودت أن أحمل إليها في يدي زهرة الزنبق "تبريز"، وهي نفس الزهرة التي صورها الفنانون القدامى في يد القديس "توما"، ولذلك كان والدها يصيح عندما يلمحني قادمًا من بعيد: لقد وصل القديس توما!
وكنا نقضي معًا أمسيات ثقافية وفنية في أحد المراكز الثقافية الأوروبية التي كانت تعج بها القاهرة في تلك الحقبة. وعن طريقها تعرفت على خالها الدكتور دولشن طبيب الأسنان الخاص بالأسرة المالكة، وقد شجعني وأنا ما أزال في بداية طريقي الفني واشترى مني عدة لوحات، وأتذكر الحوارات الفنية والفكرية التي كانت تدور بيننا رغم
حداثة سني.
يوم الحريق أذكر يوم حريق القاهرة، أنني كنت أسير في منطقة وسط البلد، قابلت دولشن وهو بصحبة شخص يدعيى عبد الباسط بك، كان يعمل موظفًا بوزارة الداخلية مسؤولاً عن قسم إعطاء الجنسية المصرية للمتمصرين بعد عمل التحريات اللازمة عنهم.
في ذلك اليوم المشهود شاهدت المحلات وهي تتحطم والحرائق وهي تشتعل، فأغلقت كل المحالات إلا ممر "الأمريكيين" المطل على شارع سليمان باشا، ففيه يقع المدخل الرئيسي للعمارة.
علمت في هذا اليوم وأنا جالس في
مقهى "الأمريكيين" أن رئيس القسم المخصوص بوزارة الداخلية "بمثابة جهاز المخابرات الآن" قد قام بجمع المقاعد من كازينو بديعة مصابني، ووضعها في منتصف الميدان بجانب تمثال إبراهيم باشا، وقال آمرًا: احرقوا هذه المقاعد، وكانت هذه الواقعة غالبًا هي الشرارة الأولى في ذلك الحريق النابض، ولم تمض ساعة واحدة على ما سمعته حتى رأيت أحمد حسين، زعيم حزب مصر الفتاة بطربوشه المعهود في عربة مكشوفة يمضي عبر شارع سليمان باشا وهو يصيح "احرق.. احرق.. احرق".
وبينما كنت أتطلع إلى عشرات من زجاجات الخمور ومحتويات البقالة
وهي تلقى في الشارع رأيت جاري بالعباسية، من عائلة العشماوي، يتحدث عن مادة سريعة الاشتعال وصلت إليه لإشعال الحرائق!
وحينما سألته عن هذه المادة أجاب بأنه تخلص من كل العبوات وسلمها لأحد الأشخاص من جماعة الإخوان المسلمين (يقصد على عشماوي الذي وصف مع نشر المذكرات نهاية تسعينيات القرن العشرين بأنه: آخر قائد للتنظيم الخاص)، ورأيت علامات الاضطراب تكتنفه، وسرعان ما انصرف مسرعًا في الشوارع الأخرى.
وبعد سنوات عديدة نشر هذا الشخص مذكراته بمجلة روز اليوسف، ورفض
الإفصاح عن اسم الشخص الذي أعطى له هذه المادة سريعة الاشتعال!
كانت القاهرة في ذلك اليوم في حالة فوضى شديدة..
بينما لاحظت وأنا في جلستي بالأمريكيين دولشن وهو يتحدث مع عبد الباسط بك لمحاولة الحصول على الجنسية المصرية، ورأيتهما وهما يغادران المكان معًا وسط طريق ملئ بالزجاجات والبضائع التي نهبت من المحلات وألقيت على قارعة الطريق، وبعد نحو ساعتين عاد دولشن وأخبرني أن كل شيء بالنسبة لإجراءات الحصول على الجنسية قد تم بسهولة، وتساءلت بيني وبين نفسي باستغراب ما سر
إصراره على الحصول على الجنسية المصرية وهو من عائلة ثرية قد هاجر معظمها إلى أمريكا؟
سرنا أنا ودولشن معًا، وأخذ يتحدث عن الأوضاع السياسية في مصر فقال إن الإنجليز سيضطرون لتسليم منطقة الشرق الأوسط إلى أمريكا، بسبب حاجتها للنفط، وستسعى أمريكا حينئذ إلى رعاية وحماية كبار الرأسماليين ورجال المال لحماية مصالحها فقط، لأنها تهدف للسيطرة على المنطقة خاصة مصر لما لها من قوة بشرية واقتصادية.
ثم أضاف دولشن: صحيح أنني يهودي لكنني ضد قيام دولة صهيونية لتكون