هل نخاف الفن أم نخاف الاعتراف بأننا لا نفهمه؟ يناقش حسن سليمان، في مسودة غير منشورة يسأل فيها البسطاء وغير المتخصصين، لماذا تشعر أحيانًا بالعجز أمام الأعمال الفنية والكتابات النقدية المعقدة؟
أنت مرهق.
ترهقك الحياة والظروف المحيطة بك، تثقلك حتى لا تدع لك متسعًا من الوقت كي تزيد من ثقافتك الفنية، أو تتتبع النشاط الفني.
وإذ بك تفاجأ بإنتاج فني يبتعد عن حسك وتذوقك.
وإذ بك تقرأ صفحات عن الفن التشكيلي أو نقدًا لأعمال فنية ومعارض فلا تفهم منها سطرًا.
أنت في هذه الحالة إما أن تثور على نفسك، أو تخجل منها لعجزك عن فهم هذه الطلاسم.
لكنك في الحقيقة تحب رسوم جمال كامل، أو كاريكاتير صلاح جاهين، أو
الليثي، قلها ولا تخف، فأنا مثلك أفضلهم، هم وغيرهم من رسامي الجرائد والمجلات الصرحاء مع أنفسهم. أفضلهم من معظم الفنانين التشكيليين الذين يدعون أنهم فنانين حداث، فقد أصبحت مدارس الفن الحديثة المتنوعة هي الشماعة التي يعلق عليها مدعي الفن فشلهم وعجزهم.
وأنا مثلك عاجز عن فهم معظم ما يكتب لدينا أو يقال عن الفن التشكيلي، لا تخجل من هذا أبدًا، ولنكن في زمرة البسطاء أفضل من أن نكون في زمرة المتحذلقين الكذابين.
تعالَ معي لدردشة بسيطة عن شيء يسمى الفن، شيء كالحب والحياة، عجز
الفلاسفة كلهم عن إيجاد تعريف كامل أو شامل له.
ظلت مشكلة تعريف الفن موضع جدل ونقاش الفلاسفة لأن كلهم هدفوا إلى ربط الفن بالجمال.
طبعًا من السذاجة أن نهدر ما وصل إليه الفلاسفة من تعريفات للفن تربطه بالجمال أو تحدد علاقته به، لكن في استطاعتنا كذلك أن نقول إنه لا تعريف من تلك التعريفات هو تعريف صحيح أو تعريف شامل.
منهم من قال إن الفن اليوناني دون غيره هو الفن الحقيقي أو الجمال الحقيقي، طبعًا هذه نظرة سطحية، لا شك في ذلك، لأن الرجل الأفريقي مثلاً
كانت له فكرة أخرى عن الجمال. ومنهم من حاول ربط الفن والجمال بالعاطفة، وهذه بدورها محاولة ساذجة، والواقع أن محاولات الفلاسفة خلال القرون الماضية لوضع تعريف للفن وقعت كلها فريسة لمثل هذه الأخطاء.
كذلك لأن الفيلسوف بمحاولته إيجاد تفسير لكل شيء وفي نظرته العامة الشاملة للكون، كأن يضع نظرية أخلاقية واجتماعية ثم يحاول أن يلبس الفن هذه النظرية. يحاول أن يطبق مفاهيمه الفلسفية على نظرته للفن، وأن يخضع الفن لهذه المفاهيم، لكننا سرعان ما نكتشف عجزه.
من لوحات حسن سليمان
كذلك أخطأ الفيلسوف بربط الفن بمفهوم الجمال، إن أي تعريف يجب أن يستمد قوته من وجهة نظر عامة، ومقياس ثابت.
والجمال نسبي كما قلت والشئ النسبي لا يمكن أن يبنى عليه تعريف ثابت للفن، الجمال شيء حقيقي ملموس في حياتنا، لكنه حقيقة تخضع لظروف البيئة والمجتمع واحتياجات الإنسان، وهذه كلها مرت بمراحل متعاقبة من التطور والتغير.
وهناك خطأ آخر وقع فيه عدد من أرسوا قواعد الفن وحاولوا وضع تعريف له، إذ ربطوا الفن بالخير، ثم عرَّفوا الخير بأنه التعليم والتهذيب، وكأنهم
بهذا وصلوا إلى أن حقيقة الفن هو التعليم والتهذيب، وهذا شيء مضحك. ومرة أخرى نعود لنؤكد أن هذه الأخطاء التي وقع فيها الفلاسفة لا تعني تجرد أفكارهم ووجهات نظرهم من كل صواب وحقيقة، فالواقع أن كل محاولاتهم لعبت دورًا في عملية الخلق الفني وتطوره. لكن لا تعريف واحد من شمولية جوهر الفن وحقيقته.
الذي يمكن أن نضيفه أن أغلب الفلاسفة حاولوا التهرب من مأزق قد يضع نظرياتهم موضع نقد وقصور، فأغفلوا أن الإنسان والمجتمع الإنساني ذاته يمر بمراحل متعاقبة من التطور، وإنه أي الإنسان يتغير بما يجري
في داخله من متناقضات تظهر جليًّا في إبداع الفنان.
والإنسان في العشرين من عمره ليس هو بذات الشخص وقت بلوغه الخمسين، والمجتمع في العشيرة البدائية ليس هو مجتمع الحضارة القائمة على الاستعباد كالمجتمع اليوناني، وبالتالي فإن مفهوم الجمال والفن قد يختلف باختلاف مراحل نمو الفرد، ومراحل تطور المجتمع، إذن لا قيمة لأي تعريف للفن، فقط تستثيرنا لعبة التدليل على صحة ما يريد الفلاسفة فرضه.
غير أننا نقف من جديد أمام التساؤل الحائر: ما الفن؟
إذن تعالَ معي، لا تقل إنك مرتبط