لماذا تبدو لوحات حسن سليمان كأنها صندوق من المرايا.. ما إن ينكشف جزء من ذاتنا الهاربة في مرآة، حتى يستر جزء آخر في التالية؟ وما أول ما يتذكره من حوادث المدينة الكبرى؟
هذا حوار قديم. بدأت البحث عنه في التوقيت الذي التقطت صورة الغلاف، أي حين دخل في مرضه الأخير. فقررت استعادة صورته كما قابلته أول مرة. الحوار نشر في مجلة "الوسط" العدد ٣٦٢، التي كانت تصدر أسبوعيًّا في لندن، ونشر في ٤ يناير ١٩٩٩. عثرت على الحوار بعد رحيل حسن سليمان. قدمته المجلة بما يشبه عنوانًا تمهيديًّا: في محترفه (مرسمه) عاش أحمد بن بله، والتقى چان بول سارتر المثقفين المصريين. مثقف من عصر آخر يواصل تسكعه على شواطئ المجهول. أما العنوان: حسن سليمان: فوضى المدينة، متعة النقصان، والكمال المستحيل!
الحـوار
مَن هذا المتمرد السبعيني، المنحدر من تقاليد الثلاثينيات والأربعينيات التي أفرزت صورة المثقف الكلي، صاحب الوعي الشامل والمشاغل الإبداعية المتعددة؟ داود عبد السيد وخيري بشارة ومحمد خان من تلاميذه.
لا يخاف المغامرة الإبداعية لأنه يدرك أن "الشيء الغامض السحري لا يسلم نفسه تمامًا"، ويحلم بردم الفجوة بين الفكر والممارسة، معتبرًا أن المدارس الفنية التي قامت على كسر اتزان اللوحة "مجرد مراهقة".
"حتى الآن لا أزال أخاف من الورقة البيضاء"! هذه الكلمات القلقة
يحشرها حسن سليمان في حديث طويل غاضب، (في أعقاب معرضه الذي عاد به بعد غياب) لا يخفي فيه تبرمه وسخطه الدائمين. تقاسيم وجهه الهادئة تصارع ثورة مكتومة، وصوته يخرج كأنه هواء مضغوط في نفق طويل.
هكذا يبدو حسن سليمان دائمًا على وشك الانفجار، في اللحظة التي تشعر بأنه سيتركك ليبكي وحده. عاش حسن سليمان حياة مديدة؛ معارض لا يعرف عددها الآن، أولها عام ١٩٥٢، وبعد تجارب امتزجت فيها الحدود بين الثقافة والفن، الكتابة والسياسة، وقَّع الفنان المصري اسمه المتألق على لوحات خاصة ومدهشة، وشارك في تحرير
مجلتين مهمتين: "المجلة" و"الكاتب"، وخاض معارك صاخبة في صفوف تنظيمات يسار الخمسينيات والستينيات.
في كتالوج معرضه المقام عام ١٩٩٨ بعنوان "طبيعة صامتة"، يكتب: "بدأت حياتي أحاول التمرد على القوالب الثابتة الجامدة، لكني الآن أتمنى أن أنهي حياتي متمردًا على عجزي عن الإمساك بشيء مرئي". وخرج المعرض "مغامرة" دفع فيها حسن سليمان تجربته إلى أقصى طاقتها في التأمل، إذ رسم ٤٣ لوحة للمشهد الصامت نفسه: أربع أوان فخارية تتجاور على طاولة. حالة ساكنة، علاقتها بالحياة تكاد تكون
حسن سليمان يرسم..
واهية، إذ ما الذي يمكن اكتشافه في تلك الأشياء "الجامدة" المهملة التي لا تتغير -ظاهريًّا- مع تغير الهواء والمشاعر والفصول والأوقات؟ يطارد حسن سليمان رغبة في نفسه "للإمساك بشيء نراه، وعندما نرسمه نجده أفلت منا".
إنها الرغبة في الوصول إلى اكتمال مستحيل، لعبة مثيرة يمزق فيها الفنان غلالات شفافة من ذاته، ليصطاد شيئًا يبدو كالطيف مرة، وعاصفًا مرة، ومراوغًا متسللاً مرات؛ الشيء الغامض السحري الذي لا يسلم نفسه تمامًا، فيترك الفنان "متسكعًا على شواطىء المجهول"، هكذا يروق لحسن سليمان أن يصف الفنانين الحقيقيين.
صندوق المرايا
خلف سكون ظاهر على سطح اللوحات نشعر أن حسن سليمان ينفذ وصية نيتشه "الحياة تعني أن نحوِّل كل ما لنا، وكل ما نصادفه، نورًا ولهيبًا، ولا يمكننا أن نفعل غير ذلك". ينتهي الإحساس بالتكرار، وربما الملل، بعد المشاهدة الأولى للوحات. وعندما تخفت الإيقاعات الصاخبة، اللاهثة، يسرقنا الفنان لإيقاع غير اعتيادي تتكشف فيه مستويات متباينة من الألوان والخامات والكتل، من زوايا النظر ومساحات الضوء والظلال. كأننا في صندوق مرايا، ما إن ينكشف جزء من ذاتنا الهاربة في مرآة، حتى يُستر جزء آخر في التالية.