القاهرة: من حافة إلى حافة

صنع الله إبراهيم يبحث عن سر المدينة

القاهرة: من حافة إلى حافة

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

يكتب صنع الله إبراهيم عن تاريخه الشخصي، وتطور علاقته بالقاهرة، المدينة التي لعنها، وغادرها مرات عديدة، ولكنه في كل مرة كان يعود مرة أخرى... دون أن يعرف سرها.

ألف المصريون أن يقولوا عندما تضرب أمورهم أو عندما يمرون بإحدى المحن أن السبب فيما تعرضوا له يرجع إلى أن من بنى مصر في الأصل كان حلوانيًّا. والمقصود بمصر هنا القاهرة، أما الحلواني فقد تعددت بشأنه التفسيرات؛ بعضها مهذب للغاية يعتمد على المعنى المباشر للكلمة، وهو صانع الحلوى التي تقاس جودتها بقدر ما تتميز به من هشاشة، والبعض الآخر يستند إلى استعمال مختلف للكلمة في بلاد المغرب العربي التي جاء منها بناة المدينة، حيث تطلق على من يتميز برقة بالغة في الطباع، ورهافة في الحس، وليونة في الحركة، والبعض الثالث عصري للغاية يشير إلى خفة اليد والشطارة والفهلوة.

صنع الله إبراهيم مع أبيه ؛كانا في حالة تنقل مستمر من بيت إلى بيت ومن حي إلى حي.

صنع الله إبراهيم مع أبيه ؛كانا في حالة تنقل مستمر من بيت إلى بيت ومن حي إلى حي.

لكن كتب التاريخ تنفي هذه الصفات عن جوهر الصقلي، القائد العسكري الفخم الذي فتح مصر باسم سيده الخليفة الفاطمي العظيم المعز لدين الله. فقد كان ذا جلدٍ، متفانيًا في عمله، ولم تكن أمانته أبدًا محل شك.
دخل جوهر الإسكندرية دون قتال ثم زحف جنوبًا إلى عاصمة ذلك الزمان -التي أقامها ابن طولون قبل مئة سنة بالضبط عند سفح جبل المقطم- فعسكر شمالها وفي الليلة نفسها وضع أساس المدينة التي قرر إنشاءها باسم «المنصورية» نسبة إلى أبي الخليفة الذي سرعان ما انتقل إليها واستقر بها وعدل اسمها إلى الاسم الذي حملته بعد ذلك أكثر من ألف عام.

قيلت قصص كثيرة بشأن هذه التسمية، أقربُها إلى التصديق أن المعز وهو يعطي قائده الأمر بالسير إلى مصر أمره أيضًا أن يبني بها «مدينة تقهر الدنيا».. لكن القاهرة لم تقهر أحدًا غير أهلها؛ إذ تتابع عليها الغزاة من كل الأنحاء والأجناس.. وفيما يبدو لم يؤثر ذلك على قدرتها على الاستمرار وعلى النمو حتى أصبحت واحدة من كبرى مدن العالم.. ومن أكثرها صعوبة في الحياة.
إنها الآن مدينة صاخبة لا تهدأ بالنهار والليل وتتميز بحيوية شوارعها التي يصنعها قرابة ۱۲ مليونًا من القاطنين، يصبحون بالنهار ١٦ مليونًا، يشكلون قرابة ربع سكان مصر كلها، يتحركون مكتئبين وسط السيارات المتلاحمة

والباصات المكدسة والزمامير الحادة، أسفل كَبَارٍ علوية بين أبراج سكنية ضخمة تعلوها الدشات، ومقابر سكنية تبرز منها هوائيات التلفزيون، دكاكين شعبية تحمل أسماء أجنبية، ديسكوهات يرقص فيها الشباب على إيقاع أحدث الأغاني الغربية، وحمامات بلدية يستخرج فيها العمالقة العراة طبقة الجلد الخارجية في خيوط طويلة سوداء، إلى جوار كنائس ومساجد ذات مآذن عالية مزودة بميكروفونات تصم الآذان تطل على أسطح تغطيها شتى أنواع المخلفات، أو على ناس يطهون في الهواء الطلق وسط أكوام القمامة، أو يقلبون بينها بحثًا عن شيء يوازنون به دخولهم المتواضعة، وآخرون يخوضون

صنع الله إبراهيم في طفولته قبل قليل من فقدان أمه

صنع الله إبراهيم في طفولته قبل قليل من فقدان أمه

وبعد أن أصبح أديباً يشارك بفعاليه في النقاشات قبل أن يفضل العزلة في سنواته الأخيرة، مع الأديبة سلوى بكر

وبعد أن أصبح أديباً يشارك بفعاليه في النقاشات قبل أن يفضل العزلة في سنواته الأخيرة، مع الأديبة سلوى بكر

في مخلفات متعفنة بينما يتحدثون إلى تليفونات محمولة.
ويتزايد سكانها بمعدل مائة ألف في الشهر، تفتك الأمراض والتلوث بأعداد كبيرة منهم. مليونا شقة مغلقة. وتعيش الغالبية تحت خط الفقر بينما ترتفع نفقات المعيشة يوميًا في خط موازٍ لخطوات تنفيذ طلبات التكيف الهيكلي لصندوق النقد الدولي.
هناك طبعًا مصانع جديدة في ضواحي المدينة: بطاريات ومنتجات ألومنيوم وملابس جاهزة وأدوات زينة وسيراميك ولبان ومياه غازية ومناديل ورق ومنظفات. وتطلق الميديا على ذلك تعبير الانطلاق الاقتصادي. لكن المصريين يستيقظون على منبهات

يابانية، ويغتسلون بصابون فرنسي، ويحلقون بأمواس إنجليزية، ويغسلون أسنانهم بمعاجين أمريكية، ويأكلون أجبانًا دانمركية ويدخنون مارلبورو ويشربون الكولا، ويكتبون بأقلام فرنسية على ورق فنلندي، ويستمعون إلى راديوهات يابانية أو تايوانية، ويركبون أتوبيسات ألمانية، ويتفرجون على تلفزيونات كورية.
منذ ۲۰۰ سنة، لاحظ علماء الحملة الفرنسية أنه لا توجد بالقاهرة شوارع بالمعنى المفهوم، وإنما هناك مجموعة من الحواري التي تشكل دوائر ومنعطفات توالدت فيها الأبنية بشكل سرطاني، وتفضح الخطوط المتعرجة للشوارع ما تعرضت له تلك الشوارع

كان يتحتم عليَّ أن أقبع ساكنًا إلى أن ينتهي أبي من سماع نشرة أنباء الظهيرة من راديو أسود اللون؛ كي أنطلق بعدها بسيارتي الحمراء الصغيرة جيئةً وذهابًا بين باب الحمام وباب غرفة الطعام.

كان يتحتم عليَّ أن أقبع ساكنًا إلى أن ينتهي أبي من سماع نشرة أنباء الظهيرة من راديو أسود اللون؛ كي أنطلق بعدها بسيارتي الحمراء الصغيرة جيئةً وذهابًا بين باب الحمام وباب غرفة الطعام.

اقرأ أيضاً

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب

ذئاب تعوي في رأسي

ذئاب تعوي في رأسي

البيرة: ابنة الماء والقمح

البيرة: ابنة الماء والقمح