الهدية الأخيرة

مقتطف من رواية عبد الرزاق جرنة

الهدية الأخيرة

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

كان فوز الروائي عبد الرزاق قرنة/جرنة/قرنح.. إلخ بنوبل للآداب مفاجأة فجرتها الجائزة، وفتحت بابًا دوارًا من الأسئلة الموسمية!

ذات يوم، قبل زمان بعيد من بدء المشكلات، هرب دون أن يخبر أحدًا بشيء، ولم يعد. وذات يوم آخر، وبعد 43 عامًا، انهار أمام باب منزله في بلدة إنجليزية صغيرة. في آخر ذاك النهار، كان عائدًا إلى المنزل من العمل. أهمل كل شيء لفترة طويلة، ولا يوجد هناك من يوجه إليه اللوم إلا نفسه. شعر بأن الانهيار يقترب، لا بخوف من الهلاك طالما تغافل عنه، بل بسبب الشعور بأن شيئًا ما ثقيلاً وراسخًا يثقله. لم تكن ضربة من العدم، بل كأن وحشًا قد أدار رأسه ببطء نحوه، وتعرف إليه، ثم مد يديه ليخنقه. كانت أفكاره واضحة للغاية بعد أن استنزف الضعف جسده، 

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

غلاف رواية الهدية الأخيرة

اعتقد بوضوح وطريقة عبثية، أن هذا يجب أن يكون شعورًا بالجوع، أو بالتجمد حتى الموت، أو كأن صخرة تسحق أنفاسك. جعلته المقارنة يتوتر رغم قلقه: أترى ما يمكن أن يسببه التعب؟ عندما غادر عمله كان يشعر بالإرهاق، هذا النوع من الإرهاق الذي يحل به أحيانًا لسبب غير مفهوم في نهاية اليوم، في السنوات الأخيرة أكثر من ذي قبل، مما جعله يتمنى أن يتمكن من الجلوس وعدم القيام بأي شيء حتى يخف الإرهاق. أو حتى تأتي ذراعان قويتان لتلتقطانه وتأخذانه إلى المنزل. تقدم في السن الآن، وهذه الرغبة مجرد ذكرى، كأنه كان يتذكر فعلاً أنه يوجد

شخص ما يفعل ذلك منذ فترة طويلة؛ نعم، شخص يصحبه إلى المنزل. لكنه لم يعتقد أنها ذكرى، فكلما تقدم في السن، تصير رغباته أكثر طفولية أحيانًا. كلما تقدم في السن أكثر، اقتربت منه طفولته، وبدت كأنها ليست خيالات بعيدة تخص حياة شخص آخر. في الباص، حاول معرفة سبب إرهاقه. لا يزال يفعل ذلك بعد كل هذه السنوات، يحاول فهم الأشياء، وبحث عن تفسيرات من شأنها أن تقلل الخوف مما تسمح الحياة بحدوثه.
في نهاية كل يوم يرصد خطواته، حتى يجد تلك المجموعة الحوادث التي تتركه ضعيفًا جدًا في النهاية، كأن هذه المعرفة

(إذا كانت معرفة حقًّا) قد تخفف فعلاً من محنته.
الشيخوخة، هي ما قد تكون البداية، اهتراء الأجزاء التي لا يمكن تعويضها. ربما يكون الإسراع إلى العمل في الصباح عندما لم يكترث أحد، أو الشعور بالاضطراب إذا تأخر لبضع دقائق، وأحيانًا كان الجهد والإرهاق يتركانه عاجزًا عن التنفس، أو شاعرًا بحرقة في المعدة لبقية اليوم. أو ربما هو كوب شاي رديء صنعه بنفسه في مطبخ الموظفين جعل أمعائه تنفجر بالإسهال، لقد تركوا الحليب مكشوفًا في الإبريق طول اليوم، ليجمع الغبار والعفن الذي جلبوه جيئة وذهابًا، وهو يعرف أن من 

يرتدي ملابس خفيفة كي يتمكن من التخلص من معطفه بسرعة عندما يحين الوقت للهرب!

هذا الحليب، لكنه لا يستطيع مقاومة إغراء رشفة من الشاي. أو أنه ببساطة بذل الكثير من الجهد غير الضروري، في دفع ورفع أشياء كان يجب أن يتجاهلها، أو ربما يكون حزنًا..
لم يستطع قط معرفة متى سيحدث ذلك، أو أين أو إلى متى. لكن وهو جالس في الباص، عرف أن شيئًا غير عادي يحدث له، عجز كبير، وإحساس بالضعف جعله يئن بشكل لا إرادي، كان جسده يسخن ويتقلص ويحل مكانه فراغ غير مألوف. حدث ذلك بتمهل؛ تغير تنفسه، وارتعش، وعرق، ورأى نفسه ينهار ذاك التداعي المعتاد نتيجة الإهمال البشري، حينها يتوقع

الجسد الألم ثم يتداعى. راقب نفسه، مذعورًا قليلاً من الانحلال الخبيث الذي لا يقاوم لقفصه الصدري ومفاصل وركه وعموده الفقري، كأن الجسد والعقل منفصلان. شعر بطعنة حادة في مثانته، وأدرك أن تنفسه كان سريعًا ومرتجفًا. ماذا تفعل؟ هل تعاني من نوبة؟
قال لنفسه “كفى هستيريا، تنفس بعمق.. تنفس بعمق”. نزل من الباص إلى هواء فبراير، في يوم برد مفاجئ، مرتجفًا وضعيفًا، يتنفس بعمق كما أمر نفسه. لم يكن يرتدي ملابس تناسب هذا الجو، والناس من حوله يرتدون معاطف صوفية ثقيلة وقفازات وأوشحة، كأنهم يعرفون بفعل التعود

اقرأ أيضاً

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب

ذئاب تعوي في رأسي

ذئاب تعوي في رأسي

البيرة: ابنة الماء والقمح

البيرة: ابنة الماء والقمح