هل كان يوسف شاهين أسوأ أنواع الأحبة؟

محسن كمان وكمان

هل كان يوسف شاهين أسوأ أنواع الأحبة؟

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

ربما يكون العتاب محاولة لإعادة كتابة الحقيقة، فهل كان يوسف شاهين يحكي في "إسكندرية كمان وكمان" عن محسن محيي الدين، أم عن نفسه؟ وهل كان يرى في تلميذه امتدادًا لحلمه، أم شخصًا عليه أن يتحرر منه؟ 

هناك شيء مريب للغاية في أغنية العتاب الشهيرة "لو نويت". فمن الجو العام، نحن نعرف أن هذه مناجاة من حبيب هجره حبيبه. تجعلنا جمل مثل "قالوا الناس إنك بايعني"، ثم "قلت شاري.. سيبوه يبيعني"، و"زاد كلامهم حُبي ليك" لا نصدق رواية الحبيب الأول فحسب، بل تنفطر قلوبنا، ونكاد نمد أيادينا إلى تسجيل الصوت محاولين مواساة ذلك المهجور المسكين.
هذه العاطفة تستحوذ علينا غالبًا في تجربة السماع الأولى، لكن الأمر أن الأغنية البديعة مقدر لها أن تجذبنا مرات عِدة، وحينها سندرك شيئًا خطيرًا، فذلك المسكين ربما يكون أقل مسكنة

مما يهيأ لنا.
"لو نويت" التي خلدها الزمن بصوت چورچ وسوف، أذيعت للمرة الأولى عام ١٩٨٩ بصوت نهاد طربية، وإن كانت المسحة الخرافية من رقة الملامة قد تجسدت في نسخة وسوف، فإن الإمكانات كانت موجودة منذ النسخة الأولى والظهور الأول، الذي صادف أنه العام نفسه التي عرضت فيه تجربة عتاب خرافية أخرى، وهي "إسكندرية كمان وكمان" ثالث أجزاء السيرة الشاهينية. "ليه تجرحني بكلامك.. طب ما تهجر من سكات" عندما تتجاوز انفطار قلبك الأول ستبدأ بملاحظة الخدعة، ففي كل مراحل وصلة البوح

لأن شاهين سينمائي مشاكس، لا ينتظر حتى الثلث الأخير من "إسكندرية كمان وكمان" حتى يكشف أنه فعل ما يستحق أن يُهجر بسببه

التي يمارسها المهجور هناك ذلك الحث المتواصل/ المخفي على الصمت. إنه يطلب من الآخر أن يرحل دون كلمات جارحة "لو نويت تنسى اللي فات" فلا تخبرني بذلك، لقد قتلتني بالفعل منذ اللحظة التي أدرت فيها ظهرك. هكذا يمضي محصيًا كل قيمة ركلها الهاجِر باتخاذه قرار الرحيل، بل ويتعدى الصراع حدود الفردين، لأن المهجور يتعرض للشماتة من أولئك الذين حذروه سابقًا من حب الهاجِر القاسي. وللمرة الثانية تفطر رقة رد الفعل قلوبنا، فهو لا يثور ولا يكره، بل يطلب بأعذب نبرة ممكنة "بلاش تشمِّت غيري فيَّا". لكن جملة في مطلع كوبليه الثلث

الأخير تأتي وتقلب المعنى رأسًا على عقب "بلاش تلومني على اللي فات". 
المشهد الأول

لأن شاهين سينمائي مشاكس، ولأنه لم يكن مغرمًا بقاعدة الـThree-Act Structure أو بنية الثلاثة فصول، فهو لا ينتظر حتى الثلث الأخير من "إسكندرية كمان وكمان" حتى يكشف لنا أنه -كمهجور- قد فعل ما يستحق أن يُهجر بسببه.
الهاجر ومربط أحداث الفيلم، تلميذه وقرينه السينمائي -والوجودي كما تمنى- محسن محيي الدين. يعطينا المشهد الأول ملخصًا مفصلاً للطريقة التي بدأت وانتهت بها هذه العلاقة، وحتى

هرب محسن من التنميط، وبرر ذلك بالإجهاد الشديد والتقلبات والقلق

هرب محسن من التنميط، وبرر ذلك بالإجهاد الشديد والتقلبات والقلق

التعليقات الخارجية عليها من "الناس". ففيه نرى عمرو عبد الجليل، مؤدي شخصية محسن محتفظًا باسمه في الفيلم، كأن شاهين يرفض منح شخصية المؤدي أكثر من بُعد وجودها، عمرو هو عمرو لأن محسن هو محسن، يعرف نفسه ونحن كذلك نعرفه.
يتحدث (عمرو/ محسن) في المشهد الذي لا نعرف حقيقة وقوعه من عدمها عن القلق الذي أصبح مصاحبًا له، والدمامل التي ملأت وجهه، التي باستطاعتنا رصدها فعلاً في عملهما الأخير قبل القطيعة "اليوم السادس". وعن رغبته في حياته أكثر طبيعية أقل إرهاقًا. بينما يصر (يحيى/ يوسف

شاهين) على أن مشروعهما القادم "هاملت" ينبغي أن يكتمل، وأنه كان حلمهما الذي لا يجب أن يتخليا عنه، لكن عمرو يصر "دا حلمك أنت مش حلمي أنا". 
ما يعطي ذلك المشهد تأثيره أن عمرو/ محسن يحصل على صوت يبدو لنا حقيقيًّا للتعبير عن نفسه. فرغم أنه ليس هنا لنسمع منه مباشرة، لكن شاهين يبدو لنا ناقلاً أمينًا، ينقل لنا اهتزاز صوته وارتباكه عندما يواجهه تلميذه بأن الحلم الذي يصر على إشراكه فيه لا يخصه، وأن في ذلك الإشراك المحموم لمحة من الأنانية والتلاعب، لكن مع ذلك، فانفجار عمرو

في النهاية وخروجه من المشهد لا زال يثير أعصابنا. وعند دخول (الزوجة/ منحة البطراوي) لتأمره بعدم ملاحقة عمرو نرى في عينيه ذلك الخجل من شماته "الناس".
هذه هي الخدعة إذن! فهو لا يخبرنا فقط بالأشياء، بالذنوب وبالأخطاء التي نفرت الآخر، بل يخبرنا أيضًا كم كان ضعيفًا، وكم خاف وارتبك، وتمنى وتأمل. إنه ينقل لنا تجربة معقدة على مستويات إنسانية للغاية، لذلك نشتري ما يقوله ولا نكذبه. لكنه -في الوقت نفسه- صنع عملاً فنيًّا نادر المثيل، لذلك مقدر أن نعود، ومقدر في النهاية أن نلاحظ.

اقرأ أيضاً

محاولة يوسف شاهين لتخطي مأساة هاملت

محاولة يوسف شاهين لتخطي مأساة هاملت

صنع الله في أرشيف الطقوس السرية

صنع الله في أرشيف الطقوس السرية

القاهرة معرض الطغاة

القاهرة معرض الطغاة

ما حدث ليلة صدمة صنع الله إبراهيم 

ما حدث ليلة صدمة صنع الله إبراهيم 

الثورة المنسية كما رواها صنع الله

الثورة المنسية كما رواها صنع الله

صنع الله إبراهيم والتجربة الأنثوية

صنع الله إبراهيم والتجربة الأنثوية