من أرشيف وائل عبد الفتاح عن صنع الله إبراهيم، نقرأ هذا الحوار الذي يحكي فيه عن خبايا كتاب "التجربة الأنثوية: مختارات من الأدب النسائي العالمي"، ونشر في صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ ١١ يناير ١٩٩٤
الجنس من شواغل وهواجس صنع الله إبراهيم. لا يقترب منه بحذر، ولا على طريقة تحطيم «التابو». اختار طريقًا يجعله مقتحمًا كمستكشف، وجريئًا كعاشق يفقد السيطرة على مفاتيح الوعي، مطلقًا عنان المكبوت في لحظة استثنائية. قد يقوده هذا الطريق إلى تحويل الجنس إلى أداة من أدوات الدرس والفحص. لكنه كان ذكيًا بما يكفي لتفادي الوقوع في هذا الفخ.
ربما هذا ما جعلني أضع عنوان "من هنا نكتشف المرأة" بعد قراءة مخطوطة كتابه "التجربة الأنثوية"، الذي ترجم فيه قصصًا عن الجنس كتبتها أديبات حول العالم.
أقول "ربما" لأنني وضعت العنوان وكأن نون الجماعة فيه تمثل دعوة إلى الاكتشاف الجماعي، أو إقرارًا بأن هذه القصص يمكن أن تكون طريقًا للاكتشاف، أضع نفسي فيه.
وصنع الله من ناحيته اختار "الأنثوية"، وليس "النسائية" أو "النسوية"، لوصف التجربة التي يدعونا إلى مشاركته في اكتشافها. ربما أيضًا في سبيل الإعلان عن الجانب الخاص والحسي في هذا الاكتشاف.
ما زلت أستخدم "ربما"، لأن لحظة قراءتي للمخطوط، وقبل نشره، كنت سعيدًا بالجرأة والصدمة اللتين ميزتا الكتاب في لحظة صدوره، وسط بداية
انتشار موجة عنيفة من موجات الانتصار للطابع المحافظ في الثقافة. كانت هذه الموجات تأتي في شكل صحوة للديناصور المهزوم أمام رغبة الحداثة والتحرر. ولأنها رغبة هشة، فإنها تنكمش سريعًا كلما هاج الديناصور.
"التجربة الأنثوية" كتاب غريب في مساره، بدأ من كتاب أمريكي وقع في يد صنع الله عام ١٩٦٦، ثم تحول مع السنوات إلى رحلة طويلة بين نصوص كاتبات مختلفات، من الغرب إلى جنوب أفريقيا، ومن الرواية إلى اليوميات، ومن المراهقة إلى الجنس والزواج والرغبة والعنف.
وفي هذه الرحلة كان صنع الله يكتشف المرأة بقدر ما كان يكتشف الكتابة نفسها.
ما يعنيني في هذا النص الآن هو هذه المتعة التي تبدو واضحة في تجربة صنع الله: متعة الخروج عن السياق الاجتماعي، والذهاب إلى مكان لا تسمح القواعد السائدة بالاقتراب منه بسهولة. ليس الخروج هنا بحثًا عن الإثارة، وإنما محاولة لتوسيع مساحة المعرفة، وكسر الحدود التي تجعل بعض التجارب إما ممنوعة من الكلام أو محصورة في الكلام الخاص.
لهذا كانت الترجمة عند صنع الله امتدادًا لطريقته في الكتابة.
"من هنا نكتشف المرأة"، ليس فقط عنوانًا للحوار، وإنما دعوة جماعية للنظر إلى المجتمع والجسد واللغة والسلطة
فهو لا يبحث عن نصوص مريحة، ولا عن تجارب تشبه السياق الذي يعرفه، بل عن المسافة التي تسمح له بأن يرى شيئًا آخر.
من خلال هذه المسافة تصبح التجربة الأنثوية أيضًا طريقة للنظر إلى المجتمع نفسه، إلى ما يسمح به وما يخفيه، وإلى العلاقة بين الجسد والحرية واللغة والسلطة.
أعيد نشر هذا المقال من أرشيفي عن صنع الله إبراهيم، لأنه يفتح بابًا آخر على كاتب ظل مشغولاً طوال الوقت بما يقع خارج السياق، وبما يمكن أن تكشفه الكتابة حين تذهب إلى المناطق التي لا نعرف كيف نتحدث عنها بعد.
صنع الله إبراهيم مترجمًا نصوصًا حول الجنس
من هنا نكتشف المرأة
"التجربة الأنثوية" عنوان كتاب يصدر بعد أسابيع قليلة، يحمل توقيع صنع الله إبراهيم، الذي رغم شيوع شهرته كروائي صاحب عالم متميز، فإن إسهاماته في الكتابة للأطفال والترجمة، تضيف إلى اسمه تقديرات كثيرة... ما الذي يمكن أن يقدمه صنع الله إبراهيم عن "التجربة الأنثوية"؟!
يراودني السؤال في أثناء قراءة مخطوط الكتاب، خصوصًا أن صاحب "تلك الرائحة"، و"اللجنة"، و"بيروت... بيروت"، و"نجمة أغسطس"، لم تكن للمرأة عنده