صنع الله في أرشيف الطقوس السرية

 لم يكتمل بعد...لن يكتمل أبدًا

صنع الله في أرشيف الطقوس السرية

  • أسبوعي
  • ملفات

هذه مقدمة متأخرة لأرشيف شخصي نشرناه على مدى أسابيع عن ثلاثين عاماً، استعاد فيها وائل عبدالفتاح زمن وكتابة وشخص صنع الله إبراهيم، في لحظة تدفن الماضي والمستقبل معاً وتحذف مايتعلق بضرورة الأدب.

1
قبل سنوات طويلة، كتبت قصيدة لم أذكر فيها اسم صنع الله إبراهيم.
ومثل معظم قصائدي، لم أعرف بالضبط من أين جاءت. تدخل عالمًا ما، ثم تخرج منه محملة بشيء آخر وتركيبات أخرى، حتى تكاد تفقد الصلة بين نقطة البداية والنهاية.
هكذا وجد صنع الله طريقه إلى ديوان "الكسالى" غريبًا للوهلة الأولى، يبدو قادماً من منطقة غائمة بعيدة، مقارنة بصورته الذهنية: كيف يمكن لرجل نشيط ودؤوب أن يدخل عالمًا يحتفي بالبطء ويبتعد عن هاجس الإنجاز؟ الشعر عندي يسبق بالحدس كل

أشخاصي الآخرين الذين يلعبون معًا داخلي، لكنه يظل صوتًا خافتًا وهشًا وغير نافع بمعنى ما. لا يكاد يسمع وقت الحدث، وإنما يفسر لاحقًا مسافات القرب والبعد بيني وبين الناس.
متأخرًا، اكتشفت أنه ينتمي إلى هذا العالم أكثر مما ظننت. يستخدم أداة البطء ليرى الواقع والزمن وهما يتحركان بتسارع مفرط.
صنع الله كان هامشيًّا بطريقته، لا لأنه انسحب من العالم، بل لأنه رفض إيقاعه. كان يسأل نفسه كل يوم "ما العمل؟"، لكن ليس تمامًا على طريقة لينين، ولا بوصفه سؤالاً ثوريًّا عن

قرأت صنع الله بالعكس، بعد عبوره مرحلة الشك الأولى. واستفدت من هذه القراءة العكسية برؤيته بعد أن هدأت معاركه الأولى

المسؤولية التاريخية في تغيير العالم.
كان سؤالاً شخصيًّا عن الطريقة التي يمكن بها مقاومة ما يفعله العالم بنا.
أما الكسالى في ديواني الأول، الذي تكاسلت حتى عن نشره ورقيًا، فكانوا يدفعون عنهم شيئًا آخر: الوقت القياسي الذي فرضته الحضارة الحديثة، أو ما يحب المبالغون اعتباره قانونًا من قوانين الكون. كانوا يهربون من الإيقاع الهادر، ومن المفرمة التي تلتهم أيامنا باسم الإنجاز والكفاءة، بحثًا عن متعتهم الصغيرة: التحديق القصيدة عن رجل يطل من بيت زجاجي، يعيش في غرفة تبدو معلقة فوق المدينة أكثر مما هي جزء منها.

يعبر الشوارع بخريطة قديمة للقوافل، ثم يختفي مع قرينه أمام بائع الكتب، تاركًا الميدان لما تبقى من العابرين. نسيت القصيدة. ونسيت أنها كانت، دون أن أعرف، تلتقط جانبًا من شخص أعرفه. ثم، وأنا أحاول كتابة مقدمة لأرشيف يمتد لأكثر من ثلاثين عامًا، قفزت القصيدة فجأة، ربما لتكشف لي لماذا ظل صنع الله إبراهيم يشغل جانبًا من كتابتي كل هذه السنوات.
وهذه الكتابة لم تكن حوارات أو مقالات أو تحقيقات فقط. كانت، دون أن أعترف، قصيدة لم أعرف أنها عنه.
ربما لأن القصائد لا تكتب الأشخاص.
تكتب أثرهم.

2
أرشيفي مع صنع الله بدأ من مكان آخر… من القاهرة.
كنت أحاول أن أبدأ علاقتي بالمدينة من جديد. أمحو قدر الإمكان أغلب ما أعرفه عنها: السنوات التي عشتها فيها، والبيوت التي دخلتها، والأصدقاء الذين عرفتهم، وحتى الطرق التي كنت أحفظها.
اخترت أن أعيش بعيدًا عن بيوت العائلة، وبعيدًا عن دوائر المعرفة القديمة، كأنني أجرب مدينة لم أدخلها من قبل. كان العالم نفسه يعيد ترتيب خرائطه بعد سقوط سور برلين، وكنت، على نطاق أصغر بكثير، أعيد ترتيب

لم يعرف صنع الله أن زيارتي لبيته كانت أول مرة أشعر فيها أن القاهرة يمكن أن تكون مكانًا أعيش فيه، لا مدينة أمر بها

خريطتي أنا دون أن أفقد موقعي. 
العالم الذي ينهار وأنا أبدأ.
يمنحني فرصة في العثور على طريق بين الأنقاض. أظن أنني كنت أبحث عما يمكن أن أسميه اليوم طبيعة ثانية: مدينة لا تمنحها لي العائلة والخرائط الجاهز و المصائر المعروفة سلفًا، بل تمنحها لي الثقافة وتجربتي الفردية… وكانت الصحافة أقرب طريق إلى هذه المدينة.
تركت المستقبل المتاح لخريج چيولوچيا كلية العلوم، تحركني رغبة مبهمة في أن أبدأ حياتي مرة أخرى بعد علاقة شائكة مع سنوات الدراسة.
لم أخطط وقتها أن أول بيت سأشعر فيه

بشيء من الألفة سيكون بيت صنع الله إبراهيم، ولا أن مدخلي إلى الصحافة سيكون حوارًا معه. 
بعد سنوات، كنا نجلس في مقهى إسترا بميدان التحرير، حين سألني فجأة "هو إنت وارث؟".
ظننته يمزح. قلت "لا". ثم أضفت دون أن يسأل: "أبويا موظف وأمي موظفة". سكت قليلاً، ثم قال: "أصلك مطمن، مش ملهوف". وعندما لم أرد قال: "أكيد عندك اللي يطمنك".
ظل هذا السؤال يطاردني سنوات. ليس لأنني لم أفهمه، بل لأنه جاء في لحظة كنت أشعر فيها أن حياتي كلها تقوم على القلق.

اقرأ أيضاً

القاهرة معرض الطغاة

القاهرة معرض الطغاة

ما حدث ليلة صدمة صنع الله إبراهيم 

ما حدث ليلة صدمة صنع الله إبراهيم 

الثورة المنسية كما رواها صنع الله

الثورة المنسية كما رواها صنع الله

صنع الله إبراهيم والتجربة الأنثوية

صنع الله إبراهيم والتجربة الأنثوية

ارتباك البدايات عند صنع الله إبراهيم

ارتباك البدايات عند صنع الله إبراهيم

لماذا يكره صنع الله أماكن المثقفين؟ 

لماذا يكره صنع الله أماكن المثقفين؟