ما حدث ليلة صدمة صنع الله إبراهيم 

المثقف عندما ترتدى السلطة قفازات الحرير

ما حدث ليلة صدمة صنع الله إبراهيم 

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

من أرشيف وائل عبد الفتاح عن صنع الله إبراهيم، نقدم مقالين عن اللحظة الشهيرة؛ التي أعلن فيها صنع الله رفضه لجائزة مؤتمر الرواية العربية، ونشرا في  صحيفة المستقبل اللبنانية ٢٧ أكتوبر/ و١١ نوفمبر ٢٠٠٣ 

كان الملل في تلك الأيام لا يشبه الملل الذي نعيشه الآن. الملل طريقة في الحكم، وأسلوب تستخدمه السلطة لابتلاع الغضب والاحتجاج والرغبة في التغيير. وحين صعد صنع الله إبراهيم على خشبة المسرح في إحدى أمسيات خريف ٢٠٠٣، كانت هناك شقوق تسمح بفسحة من الخروج عن سيطرة هذا الملل. هذه الفسحة لم يعد لها وجود تقريبًا الآن.
لهذا حين نستعيد ما حدث في تلك الليلة، سيتعجب كثيرون ممن عاشوا الصنفين من الملل، ويرون أننا كنا ننعم حينها بـ"حديقة"، بينما سيرى آخرون أن صدمة صنع الله بطولة كاملة الأوصاف

بالنسبة إلى "الصحراء" التي أصبحنا فيها. كل شيء كان مرسومًا بعناية منظم حفلات الدعاية: مؤتمر كبير، وزير ثقافة، لجنة تحكيم، جائزة أدبية، وحشد من أسماء لامعة في أدب البلاد العربية، وكاتب منعزل في مصر الجديدة يصعد إلى المسرح ليتسلم جائزته، ويلتقط الصور التي تقول إن الأديب الذي ينظر إلى المستقبل والماضي، وبالطبع الحاضر، بغضب، يحصل على تقدير من الدولة التي يعيش بعيدًا حتى عن هامشها، ويحمل في رواياته وقلبه وعقله شحنة عنيفة من نقد سياساتها.
صنع الله أضاف مشهدًا وصورة لم يتضمنهما بروجرام الحفل.

لماذا يبدو الرفض، لا الفعل، أقصى ما يمكن أن يفعله المثقف في مواجهة سلطة تمنحه جائزة بيد وتخنق الحياة العامة باليد الأخرى؟

  تابعت عن قرب كل تفصيلة في المسرح الصغير بأوبرا القاهرة، في ختام مؤتمر الرواية العربية، حين وقف صنع الله إبراهيم أمام الميكروفون، أخرج ورقة من جيبه، وحوَّل حفل تكريمه إلى شيء لم تعد له الدولة سيناريو: رفض الجائزة أمام الجميع، وقرأ كلمة سياسية صريحة عن الفساد والاحتلال والعمالة، بينما وزير الثقافة يفرك يديه في مقعده، والقاعة تتحول إلى ما يشبه ساحة تظاهرات.
وقتها كتبت مقالين حاولت فيهما أن أفهم ما حدث تلك الليلة، لا كخبر ثقافي عابر، بل كمشهد سياسي كامل: دولة تستخدم الأدب لتلميع وجهها، ومثقف

يرفض أن يكون جزءًا من الديكور، وجمهور يتحول فجأة إلى هستيريا جماعية، يصفق حين يفوز صنع الله، ويصفق أكثر حين يرفض الجائزة؛ الأول، "ما حدث ليلة صدمة صنع الله إبراهيم"، حاول أن يرصد تفاصيل الليلة نفسها ودوافع الرفض. والثاني، "صنع
الله إبراهيم بين سيناريو الرواية وسيناريو الواقع"، لأكتشف أن ما جرى على المسرح يشبه، بشكل مربك، مشهدًا كتبه صنع الله نفسه قبلها بأسابيع في روايته "أمريكانلي": مثقف يجد نفسه داخل شبكة من المال والسلطة والامتيازات، ويكتشف أن تنازلاً صغيرًا يمكن أن يتحول إلى حياة كاملة داخل

النظام الذي يراقبه من الخارج.
في الرواية كان هذا سيناريو متخيلاً، وفي ليلة الجائزة صار الواقع أكثر غرابة من الرواية.
ما جذبني حينها، وما زال يجذبني حتى الآن، هو السؤال الذي طرحته تلك الليلة عن علاقتنا بالشجاعة: لماذا يبدو الرفض، لا الفعل، أقصى ما يمكن أن يفعله المثقف في مواجهة سلطة تمنحه جائزة بيد وتخنق الحياة العامة باليد الأخرى؟ السلطة كانت ترتدي قفازات الحرير وهي تخنق المثقف: تمنحه جائزة، تفتح له منصة، وتقدّم المشهد باعتباره دليلاً على الحوار والديمقراطية، بينما تظل اليد التي داخل القفاز قادرة

ماذا يحدث للمثقف حين تتحول قفازات الحرير إلى طريقة للخنق، وهل شجاعة الخروج عن النص فعل قوة، أم تكشف عن هستيريا عجز جماعي؟

على المنع والمصادرة والإقصاء. وصنع الله لم يرفض القفاز فقط، بل خرج عن النص الذي كان يفترض أن يجعل القفاز مقبولاً. لهذا انفجرت حوله تلك الحالة التي سميتها وقتها "هستيريا العجز".
لم يكن الناس يحتفلون برفض جائزة فقط، بل كانوا يرون شخصًا استطاع أن يفعل ما لم يعودوا قادرين على فعله. اتصل كثيرون بصنع الله بعدها: "كنا موتى"، و"لقد أعطيتنا حقنة مقوية". وكأن فعلاً فرديًّا صغيرًا أعاد إلى آخرين إحساسًا مؤقتًا بأنهم يستطيعون أن يقولوا لا.
صنع الله كتب عن السلطة والمثقف والمال والامتياز والانسحاب، ثم وجد

نفسه فجأة داخل المشهد الذي كتبه. لكنه في الواقع لم يكن بطلاً خارقًا، كان فقط رجلاً امتلك في تلك اللحظة قوة الاستغناء. وربما لهذا بدت شجاعته كبيرة إلى هذا الحد: لأنها كشفت، في الوقت نفسه، مقدار العجز الذي كان يحيط بنا.
أعيد نشر المقالين الآن ضمن أرشيفي عن صنع الله إبراهيم، فيما تقترب الذكرى الأولى لرحيله في الثالث عشر من أغسطس. 
وربما لهذا ظل السؤال الذي يربطني بهذه الليلة حتى الآن: ماذا يحدث للمثقف حين تتحول القفازات الحريرية إلى طريقة للخنق؟ وهل تكون شجاعة

اقرأ أيضاً

الثورة المنسية كما رواها صنع الله

الثورة المنسية كما رواها صنع الله

صنع الله إبراهيم والتجربة الأنثوية

صنع الله إبراهيم والتجربة الأنثوية

ارتباك البدايات عند صنع الله إبراهيم

ارتباك البدايات عند صنع الله إبراهيم

لماذا يكره صنع الله أماكن المثقفين؟ 

لماذا يكره صنع الله أماكن المثقفين؟ 

صنع الله إبراهيم ممثلاً سينمائيًّا

صنع الله إبراهيم ممثلاً سينمائيًّا

الناصرية في مرآة شاهين

الناصرية في مرآة شاهين