نواصل البحث في أرشيف وائل عبد الفتاح عن صنع الله إبراهيم، وهنا حوارهما الذي نشر في أخبار الأدب، الأحد ١١ يونيو ٢٠٠٠، عن رواية "وردة"، الثائرة التي خاضت حرباً مسلحة في صحراء الربع الخالي.
يعود التاريخ المدفون حيًا في الروايات في يونيو ٢٠٠٠ كنت جالسًا في شرفة صنع الله إبراهيم بمصر الجديدة، وهو يشير بغضب إلى شجرة بونسيانا قُطعت من الشارع، بينما "وردة" لا تزال مخطوطة في يدي.
كان اليوم التالي هو ٥ يونيو. قفز التاريخ إلى رأسي، تفصيل عابر، لكنه غيّر الحوار الذي تم بعدها: ماذا تفعل الثورات حين تفشل، وماذا يتبقى من الرومانسيين الذين آمنوا بها؟ لا يهمني مع صنع الله التاريخ الرسمي، ولا الروايات التي تحاصرنا في المدارس والإعلام وكتب التاريخ المعتمدة من السلطة، حتى بهوامشها. كلها تدور
حول الرواية الواحدة التي تكتب دائمًا من أعلى، من قصر الحكم وذراعه
الطويلة الممتدة: حكايات ملوك انتصروا، وزعماء أنقذوا البلد، وجنرالات حققوا بطولات تكبر كلما طال وقتهم في الحكم. أما ما يحدث تحت هذا الخط السميك، في الشوارع والصحارى والزنازين والمنافي، فيترك للنسيان، أو يدفن حيًا في أرشيفات مغلقة، لأنه لا يخدم رواية النصر التي يحتاجها كل نظام جاء بعد الثورة ليبرر نفسه.
صنع الله يومها أدخلني غرفة مكتبه وفتح لي ملف العمل الذي جمعه على مدى خمس سنوات عن ثورة ظفار، وحكى كيف تحولت شخصية متخيلة إلى
«أسطورة معاصرة» اسمها وردة. كما تحولت ثورة ظفار، من وقائع يومية استمرت من ١٩٦٥ إلى ما بين ١٩٧٥ و١٩٧٦، إلى خيال رومانتيكي قاسٍ.
ثورة ظفار من أشد الأمثلة قسوة على عملية المحو المنظم، وأكثرها تعقيدًا أيضًا. بدأت حركة احتجاج صغيرة، محلية، غاضبة من عزلة السلطان سعيد بن تيمور وتخلفه عن عصره وسوء الأوضاع تحت حكمه، ثم تحولت مع السنوات إلى مشروع أكبر بكثير من حجمها الأول: حركة تحرير تطمح إلى الخليج العربي كله. ومثلما اتسعت جغرافيا حلمها، تبدل جوهرها الفكري: من تجمع عفوي للغاضبين إلى تنظيم
منضبط يؤمن بالاشتراكية العلمية والماركسية اللينينية، في لحظة كان فيها المد القومي واليساري في لحظة صعوده.
والمرأة لم تكن على هامش هذه الثورة. خرجت من الأماكن المغلقة التي حدد لها وجودها فيها، وشاركت في العمل السياسي والتنظيمي، وحملت السلاح، ودخلت الحرب نفسها.
كان تحرير المرأة جزءًا من صورة المجتمع الجديد التي حاولت الثورة أن تصنعها، لا مجرد شعار يضاف إلى خطابها. لذلك تبدو "وردة" أقل غرابة حين نضعها داخل هذا التاريخ: امرأة تدخل الثورة لا بوصفها حبيبة الثائر أو شاهدة على بطولته، وإنما بوصفها
واحدة ممن اختاروا أن يعيشوا الثورة ويدفعوا ثمنها. وهنا تصبح تجربة المرأة واحدة من المناطق التي تكشف التناقض بين الحلم الثوري والواقع الاجتماعي الذي أراد الحلم تغييره.
لم تكن ظفار احتجاجًا عاديًا، بل نموذجًا مكثفًا لحرب عصابات دخلت في الخيال الثوري العالمي، واستعارت من جيفارا صورة الثائر الأممي وحلم الثورة التي تتجاوز حدود المكان. خلية مسلحة في قلب صحراء لا يعرفها أحد، تحاول أن تجلب"التحديث" بالبندقية قبل أن يجلبه السلطان بالنفط، وتربط بين التخلص من الاحتلال والنفوذ الاستعماري البريطاني وبين التقدم الذي
يخرج البلاد من العصور الوسطى.
قمعت الثورة بتحالف بين بريطانيا وشاه إيران محمد رضا بهلوي، واختفت مع هذا القمع كل تفاصيل الحدث الدرامي الذي شهدته تلك النقطة البعيدة من الصحراء العربية، حتى صارت تلك الحرب التي دارت فعلًا، بمراحلها وتناقضاتها وشهدائها، أقرب إلى شائعة قديمة لا إلى وثيقة تاريخية.
هذا الدفن هو ما واجهه صنع الله إبراهيم حين قرر أن يكتب "وردة".
لم يكن أمامه أرشيف جاهز، بل رحلة بحث بين باريس ودمشق واليمن، يجمع فيها صورًا متناثرة وأعدادًا قديمة من مجلات، ليعيد بناء تجربة كادت
تمحى. ووردة نفسها، رغم واقعية كل ما حولها، شخصية متخيلة بالكامل، اخترعها صنع الله ليضع فيها ما تفرق من ملامح مناضلات حقيقيات لا تعترف بهن كتب التاريخ.
الصور المصاحبة للحوار أصلية، حصلت عليها من ملف العمل الذي كان صنع الله يجمعه للرواية. كانت الغرفة وقتها قد تحولت إلى مطبخ حقيقي لـ"وردة": صور وخرائط ووثائق وكتب ومجلات وملاحظات. لكن الصور كانت تعني لي شيئًا آخر أيضًا. جعلتني أرى للمرة الأولى تاريخًا بعيدًا كنت أعرفه بالكلمات فقط. فجأة صار لثورة ظفار وجوه وأماكن وملامح، وصار ما قرأته