في طريقه للبحث عن لغة جديدة لفهم العالم، وبين هزيمة ٦٧ والحلم بسينما "الحقيقة"، وقف صنع الله إبراهيم أمام كاميرا المخرج السوري محمد ملص ليصبح ممثلاً، قبل أن يكتشف أنه لا يجيد شيئًا سوى الكتابة.
قصة مثيرة نبدأها من عند هيتشكوك. المخرج الفرنسي فرانسوا تروفو سأل هيتشكوك: "قبل بضع سنوات كانت الحياة اليومية عادية وعديمة التميز، بينما الأفعال الخارقة مكانها الأفلام.. أما اليوم فالأمور الخارجة عن المألوف هي في الحياة: أعمال اختطاف سياسية، تحويل الطائرات، اغتيالات رؤساء الدول... كيف يستطيع مخرج أفلام رعب وتجسس أن ينافس الحياة في ١٩٧٢؟!".
كانت في إجابة هيتشكوك ثقة كبيرة "لن يستطيع تقرير صحفي أبدًا عن حادثة ما أن يكون لها التأثير الذي يحققه فيلم، فالكوارث بالنسبة لقارئ
أو متابع هذه التقارير تقع لآخرين.. لأناس لا يعرفهم، بينما الشاشة تجعلك تعرف القاتل مع ضحيته، معرفة مباشرة وفورية... وسترتعد خوفًا على الضحية؛ لأنها صارت شخصًا مجسدًا أمام عينيك... حوادث السيارات تقع في كل يوم ألف مرة، لكن إذا كان الضحية في إحداها هو أخوك، سيبدأ هنا اهتمامك المثير بتلك الحوادث… هنا سيبدأ اهتمامك المثير بتلك الحوادث… هكذا يتعين على البطل السينمائي أن يصبح أخاك.. أو عدوك، هذا إذا نجح الفيلم"!
تبدو البداية غامضة (ربما من وحي حضور هيتشكوك) لكن ها هو صنع الله إبراهيم يفك أول الألغاز بإشارته
إلى تلك "الفكرة الرومانسية" التي انفجرت في منتصف الستينيات: "سينما الحقيقة... أظننا عرفنا المصطلح من جودار، وكذلك من تجارب الأمريكان في تصوير الحياة الحقيقية في الشارع وهجر الاستوديو والإبهار وكل الأشياء المصطنعة".
الفكرة وليدة مناخ ثقافي وسياسي مشحون بطوفان هادر، يغطي على كل شيء، ويجرف كل الأحلام حسب رياحه؛ طوفان "تغيير العالم". وهكذا أيضًا "كانت هناك حيوية شديدة للسينما، حيث بدأ في التعرف على مجموعة من التجارب الجديدة المثيرة ونتابعها بانبهار وجنون… حتى أن مخرجًا مثل دي
سيكا أصبح بالنسبة لنا مخرجا كلاسيكيًّا… أصبحنا نشاهد أعمال أنطونيوني وفيسكونتي وفيلليني وحتى جودار... في ذلك قدم مصطفى درويش من خلال نادي السينما مجموعة من الأفلام الجديدة والجريئة.. وكان كل عرض هو حدث مهم"!
وهذه قفزة في الهواء بالنسبة لصبي كان يرى السينما "عالم بعيد.. بعيد جدًا"!
يقول صنع الله: "أول مرة دخلت السينما كان مع أبي وأمي... سينما صيفي في ميدان الضاهر، بعد ذلك عندما انتقل بيتنا إلى السيدة زينب، كنت أتسلل في الليل وأذهب إلى سينما الهلال… كانت ڤيلا قديمة صاحبتها
صنع الله إبراهيم في قاعة الدرس، يحمل الكاميرا التي ستنقل "الحقيقة" على الشاشة الساحرة -أرشيف مدينة الرقمي
سيدة تركية... وكنت أقف بجانب شباك التذاكر، لم أكن أملك أية نقود. يلمحني الموظف وبعد أن يدخل كل المتفرجين، يدخلني، كانت عملية مثيرة جدًا أن أتفرج على الأشياء التي تحدث على الشاشة في الصفوف الأولى، الأحجام كانت ضخمة جدًا".
في قاعة الاحتفالات بمدرسة فاروق الأول شاهد صنع الله فيلم "طرزان": "حسب ذاكرتي كان فيلم "طرزان في نيويورك".. كان جنون، وحتى اليوم ما زلت أموت في طرزان".
بعد ذلك تأتي مرحلة سينما "ريالتو" في الضاهر.. "هناك شاهدت لص بغداد، وأفلام محمد فوزي وصباح وعبد
الوهاب، وكل أفلام الكاوبوي، ثم كانت فترة المراهقة حيث صاحبتني مجلة الكواكب. اقرأها بانتظام وأعتقد أن هناك شخص كان يوقع مقالاته باسم طرزان… وعندما أصبحت في العاشرة تقريبًا قررت في الإجازة الصيفية أن أرسم.. ورسمت ليلى مراد".
أغلب نجمات السينما دخلن الغرف السرية لمراهقة صنع الله "كاميليا (ذات الفم الدافىء)، كما كانت تصفها صحيفة الأخبار في الملحق الخاص الذي توزعه مع العدد العادي وتختتمه بصورة كبيرة لإحدى النجمات... في هذا الملحق عرفت بيتي جرابل، صاحبة أجمل سيقان في هوليوود، وإستر ويليامز
صنع الله مع المخرج محمد ملص (الثاني من اليسار) وبقية طاقم فيلمه الوحيد - أرشيف مدينة الرقمي