في الحلقة الرابعة من "حكايات عن آلهة الوقت" يقدم وائل عبد الفتاح كأس العالم كأنها مساحة يعاد فيها تشكيل العالم؛ حيث تطرح المباريات أسئلة عن الهوية والأصول والانتماء والمستقبل، ولا تنتهي بصفارة الحكم
مع صفارة النهاية لم يعد لامين يامال وحده. حضر شبحه، وتمشى بصحبته بعيدًا وسط الجميع، بعيدًا عن كل الدوائر.
بعيدًا عن العناق الهستيري للاعبي إسبانيا، وعن معارك الشوارع التي اندلعت بينهم وبين لاعبي الأرچنتين، وعن الأذرع المتسابقة لالتقاط سيلفي اللحظات الخاصة... مضى لامين مع شبحه، كأنه يسير في طريق لا يراه أحد سواه. ينظر إلى مكان بعيد، يعبر وسط الضجيج، دون أن يندمج فيه. في قلب الاحتفال وخارجه، يمشي على أرض متخيلة لا يطؤها سواه.
لم يكن منتشيًا بنشوة بطل في التاسعة
عشرة، ولا يتصرف كأن المجد أصبح أمرًا مفروغًا منه. اللاعبون يتدافعون نحو المنصة، ويتناوبون على احتضان الكأس والتقاط الصور، أما هو، فيتجول وحده، بخطوات هادئة وواثقة، كأن لا أحد ينتظره، ولا شيء ينقصه... وكأن رفيقه الخفي لا يفارقه.
عبَرَ الممر الذي اصطف فيه أصحاب السلطة والوجاهة، كأنه مجرد ممر آخر. وقف حيث طلب منه أن يقف، لكنه ظل يحتفظ بمسافة لا ترى بين جسده والمشهد. وحين اقترب منه ملك إسبانيا واحتضنه، استجاب بابتسامة مهذبة، كأنها جزء من الطقوس الشخصية، لا من اللحظة التي يعيشها.
أما عيناه، فكانتا تبحثان عن مكان آخر… بعيدًا عن المنصة، كان أخوه الصغير كين، في الثالثة من عمره، يركض بين اللاعبين الكبار كأن الملعب صنع على قياسه هو بالذات. قفز في حضن أخيه بمجرد أن رآه، ثم انطلق يعبر أرض الملعب ممسكًا بقطعة من شبكة المرمى انتزعها لنفسه كغنيمة، وقبل أن يتسلم لامين ميداليته، كان كين يشير إليه بحماسة على الشاشة العملاقة، كأنه يقول للعالم كله: دا أخويا.
في تلك اللحظة، بدا أن الأخوين يعيشان البطولة نفسها بطريقتين مختلفتين؛ أحدهما يحمل شبحًا يمشي بصحبته، والآخر يلهو وينقل سعادة غامرة تجعل
كل من يراه يخرج من اللحظة الكبيرة ويهتف مثلما فعلت: يجنن!
1
وبدا الشبح كأنه ينظر معنا إلى خراب العالم من ثقوب صغيرة. لم يكن هذا شبحًا شخصيًّا فقط، بل شبح الطريق كله؛ الطريق الذي بدأ قبل لامين بسنوات طويلة، حين عبر آخرون البحر حاملين أسماء ولهجات وأحلامًا، ليجد أبناؤهم أنفسهم بعد عقود يرتدون قمصان المنتخبات الأوروبية.
لم يكن لامين يسير وحده، بل كانت تمشي معه رحلة كاملة من الهجرة، والخوف، والعمل، والانتظار. وربما كان جزء منه أيضًا صورة لما سيأتي؛ فالكأس
لامين ياما بعيدًا عن جميع المحتفلين، لكنه ليس وحده، بصحبته شبحه
ليست نهاية الرحلة، بل بداية ثقل جديد، والجماهير التي تهتف اليوم ربما تطلب رأسه غدًا. لذلك بدا كأنه يغادر الاحتفال قبل أن ينتهي.
الشبح من هذا النوع يحمل معه روائح ومشاعر وعلاقات من الماضي، ويعبر بها إلى مستقبل يظهر ضبابيًّا عبر تلك الثقوب الصغيرة. وليس كل من يقف تحت الأضواء، هنا أو في أي مكان يستعرض فيه العالم نجومه، يصحبه شبح كهذا؛ شبح يحمل معه كل ما لا تظهره الصورة.
لم يكن الشبح يمشي إلى جوار لامين فقط، بل كان يمشي على هامش عالم بدأت فيه كلمات اعتدنا أن نصف بها
أنفسنا -الوطن، الأصل، المهاجر، الأجنبي، الدم، الأرض- تفقد قدرتها على تفسير ما نراه. فهل ما تزال هذه الكلمات كافية لتفسير عالم تغيّر من حولنا؟
شبح لامين يحمل الحي الذي جاء منه، ورمزه البريدي ٣٠٤ الذي وشمه على ساقه، ويصنع منه علامة بيديه كلما سجل هدفًا أو رفع كأسًا. يحمل الأب الذي هاجر، والأم التي أصرت على أن ترسم لأطفالها مستقبلاً مختلفًا، والطفل الذي لعب في الشارع، والبلد الذي ولد فيه، والبلد الذي ورثه، واللغة التي يتكلمها، واللهجات التي سمعها في البيت، وكل التناقضات والتفاصيل
الصغيرة من حياة لا تستطيع الكاميرا تعليبها.
لكن ما يبقى في النهاية ليس الحياة كلها، بل الصورة التي تنجو منها.
بينما يتمشى لامين مع شبحه، كان العالم كله مهددًا بأشباح الحروب القديمة التي تستعيد ذاكرة متوحشة: إبادة، وخرائط ترسمها القاذفات والمسيرات والصواريخ، وبلاد مهددة بالاختفاء، وآلاف تموت بسبب أحلام متوارثة للسيطرة على الكوكب. والمشهد عبثي ومرعب: شخص يقود حربًا متوحشة يقف على منصة تتويج بطل العالم، بينما يركض اثنان وعشرون لاعبًا خلف كرة مطاطية حديثة، كأنهم يخترعون للبشرية مكانًا