هاني شنودة... اللاعب الأخير

ثرثرة فنية ذاتية وأحيانًا موضوعية

هاني شنودة... اللاعب الأخير

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

بين الباندات والكاسيت والسينما تغير المجتمع وتبدلت الموسيقى، ولم تفارق هاني شنودة قدرته على اللعب، فكيف انتقل برشاقة من ملعب إلى آخر، ونجا من تقلبات نصف قرن، دون أن يفقد خفته؟

الكتابة عن هاني شنودة تجعل الأفكار تزدحم في رأسك... فقد عاش هذا الرجل حياة تبدو هادئة على السطح، ولكنها من الداخل تموج بالعديد من الانقلابات الحادة التي أصابت مجتمعنا على مدار عقود، ومؤكد نال الجيل الذي نشأ فيه هاني شظايا من تلك الانقلابات.
لكن هاني وجماعته، أو من هم على شاكلته من محبي الحياة، استطاعوا مثل لاعبين مهرة مراوغة تلك الظروف والفكاك من الأزمات وعدم الاستسلام للظروف المحيطة. هذا اللعب والهات وخد والمشاكسة أنتجت أرواحًا خفيفة رغم أنها تبدو مأزومة أحيانًا من تراكم الصدمات.

الفن ينتصر على العدم بعد النكسة
في النصف الثاني من الستينيات، بعد النكسة، لم يكن المجتمع المصري منطفأ كابيًا متشحًا بالسواد مثلما تصوره بعض الكتابات والأفلام.  بل كان هناك شباب يريد أن ينعتق من الهم العام ويخرج من حالة الانسداد التي خيمت على الأجواء. وكانت رغبة الدولة وقتها متماشية مع رغبة أصحاب الأرواح المتمردة هؤلاء. ويظهر ذلك في حوار يتحدث فيه چورچ سيدهم عن محافظ الإسكندرية الذي أصر على أن يعرض الثلاثي مسرحية "حواديت"، وأن تضاء أنوار المسرح بعد هزيمة ٥ يونيو ٦٧ مباشرة، وكأن شيئًا لم يحدث، ولا أن

كان هاني شنودة؛ ينتقل بسهولة بين الفرق ويملأ فراغات يتركها انسحاب البعض، فهو لاعب بارع لا يعبأ بالملعب، بل يتلذذ باللعب نفسه

الإسكندرية مهددة بغارات عدوانية. 
الفنان محمد نوح، وهو من جيل هاني شنودة، أو ربما أكبر قليلاً، يحكي كذلك في حوار تليفزيوني منتشر عن إصراره أن يغني في الحفلات التي تلت النكسة مباشرة أغنيات ذات طابع عاطفي، ولا يكتفي بترديد "مدد مدد شدي حيلك يا بلد" بشكل لا نهائي لشحن وتعبئة الجمهور، وكأن المستمع قد انحبس داخل loop لا تنتهي. لكن التعبئة العامة في هذا المناخ لم تكن فكرة جيدة بأي حال، فالنهوض من العثرة احتاج لوقت طويل. 
فيما بعد، وبعد أن عبر الجيش القنال، تحولت أغنية "مدد شدي حيلك يا بلد"

إلى أغنية مطلوبة باستمرار، ليس فقط للحشد الشعبي وشحذ همم المشجعين في الاستادات والمناسبات الوطنية، بل للرقص والانتشاء والسعادة في أماكن السهر، مثل "ستريو المطار" أحد الأماكن الشهيرة التي كان يلعب فيها نوح بصحبة فرقته "النهار" فيما بعد.
هل نشطت هذه الروح الوثابة الجديدة المصرة على تمزيق السواد في الهوامش فقط أم سرى تأثيرها في أرجاء البلاد؟ الله أعلم، الأمر يحتاج إلى دراسة معمقة، ولكن المؤكد أن ثمة حالة من الفوران كانت تتكون بعد ٦٧ ويلزمها من يفتح السدادة حتى تغرق المكان.
بحثت تلك الموجة الجديدة عن لايف

آدم مكيوي مع هاني شنودة 

آدم مكيوي مع هاني شنودة 

ستايل مغاير للنمط السائد لإنسان ثورة يوليو الجاد شبيه شكري سرحان، فتمخض عنها فرقًا غنائية عديدة ذات ذائقة جديدة، تماهت أحيانًا وتمردت أغلب الوقت على قالب المغنى العاطفي المعذب الأوحد الذي يناجي محبوبه ويتقلب على نار الشوق، وهو النمط الذي أرسى قواعده محمد عبد الوهاب، وبرز فيه عبد الحليم حافظ فيما بعد.
وبحث هذا الجيل الذي ظهر قبل ٦٧ بسنتيمترات قليلة، عن صيغة جديدة يعبر بها عن ذوقه الفني المناسب لطبقة اجتماعية جديدة مطلعة على الثقافة الغربية. ولم يكن النظام الناصري، رغم

رفعه لشعارات مثل الأرض بتتكلم عربي، منغلقًا تمامًا إزاء أي رافد غربي، فقد كانت السينمات المصرية تعج بالأفلام الأجنبية، والمجلات الفنية المصرية تصدر أغلفتها أحيانًا بكواكب هوليوود في تقليد استمر من العشرينيات، ولم تكن حكرًا بأي حال من الأحوال على النجوم المصريين أو العرب فقط. 
الكولنس المصري Coolness

في تلك الفترة، في نهاية الستينيات، ظهر روحت التمرد واضحة في العلاقة المتوترة بين الكاتب الكبير توفيق الحكيم بسمته الكلاسيكي، وابنه إسماعيل الحكيم صاحب فرقة البلاك كوتس The Black Coats، وقد امتدت

هاني شنودة وفرقة المصريين، وبصحبتهم يحي خليل أثناء تسجيل أغنية "لما كان البحر أزرق"

هاني شنودة وفرقة المصريين، وبصحبتهم يحي خليل أثناء تسجيل أغنية "لما كان البحر أزرق"

اقرأ أيضاً

من يغلق الدائرة السحرية؟

من يغلق الدائرة السحرية؟

ملوك النشوة الجماعية

ملوك النشوة الجماعية

لقاءلم يحصل بين مارادونا ونجيب محفوظ

لقاءلم يحصل بين مارادونا ونجيب محفوظ

لماذا لا شيء أسوأ من كأس عالم سيئة

لماذا لا شيء أسوأ من كأس عالم سيئة

 سيرچي دانيه في مجاميع يوسف شاهين

 سيرچي دانيه في مجاميع يوسف شاهين

لحظات سعادة

لحظات سعادة