في كتابه "شجرة الفستق: إيران والعرب في قرن ١٩١٤- ٢٠١٣"، الصادر عن دار هاشيت - إنطون (نوفل) يقدم لنا مصطفى اللباد مئة عام شائكة من تاريخ علاقة العرب مع إيران مستعينًا بشجرة الفستق...لماذا؟
لآلاف السنين، وجدت إيران في جوار جيو-سياسي قاس، عند مفترق طرق للإمبراطوريات والدروب التجارية والجيوش الغازية. من اليونانيين والرومان إلى العرب والمغول، اجتاحت موجات الغزو هذه الأرض.
ولفهم قصة إيران بحضارتها، وسياستها الحديثة مع الجوار، لا يحتاج المرء إلى النظر فقط في سجلات ملوكها وشعرائها، بل ربما يكون الحضور الصامت والثابت لشجرة الفستق في أرضها وثقافتها استعارة وأداة تحليلية لفهم طبيعة السياسة الإيرانية داخليًّا وخارجيًّا.
وهو ما رآه مصطفى اللباد وحاول أن يعكسه في كتاب "شجرة الفستق: إيران
اختار مصطفى اللباد شجرة الفستق لتكون استعارة و أداة تحليل لفهم طبييعة السياسة الإيرانية
والعرب في قرن ١٩١٤- ٢٠١٣" أي زمن من التاريخ الإيراني الحديث يرصد علاقة إيران مع جوارها العربي. فالهضبة الإيرانية أرض التناقضات الصارخة: جبال شاهقة، وصحار قاحلة، وصراع دائم من أجل الماء. بيئة صعبة متطلبة. وشجرة الفستق لا تنمو فيها فحسب، بل تزدهر. ويكمن سر حياتها في نظام جذورها العميقة والمتشعبة، التي تغوص وتتمدد أمتارًا في التربة الجافة والمالحة حتى تثبت الشجرة بقوة وتمدها بالغذاء، حيث تهلك النباتات الأخرى. والتشابه يكمن بين جذور تلك الشجرة والسلوك السياسي الإيراني، الذي يستمد مرجعيته من الهوية الثقافية
المصوغة في العصور الزرادشتية القديمة، والمصقولة بالشعر والفلسفة الفارسيين، والمندمجة مع الإسلام الشيعي. هذا التجذر التاريخي العميق سمح للدولة الإيرانية باستيعاب الصدمات الخارجية، واستمداد القوة من تاريخها الخاص، والحفاظ على هوية حضارية مميزة وغير منقطعة في مواجهة التحديات، وتشكيل طابعها الأصيل. ففي دورة حياتها الصبورة، وتكيفها مع أرض قاسية، وطبيعة ثمرتها الثمينة، لتلك الاستعارة، ولأمة أتقنت فن البقاء بحسابات دقيقة، جعلتها عارفة للحظة التي ينبغي فيها أن تنحني أمام عواصف التاريخ لتحفظ نفسها - وفي
أحيان كثيرة نظامها- ثم النهوض من جديد. ومثلما زراعة الفستق ليست استثمارًا لعديمي الصبر، بل عمل إيماني بالمستقبل، وإرث للجيل القادم؛ فالمزارع الذي يغرس شتلة فستق لن يرى حصادها قبل ٧ لـ١٠ سنوات، رأى اللباد ذلك منعكسًا في النهج الإستراتيجي الإيراني مع جوارها والعالم؛ فالمفهوم الفارسي للزمن والتاريخ كلعبة إستراتيجية طويلة الأمد، تتكشف مشاريعها الثقافية والوطنية على مدى عقود، لا سنوات، وبقسوة أحيانًا تنعكس على تلك العلاقة مع الجوار. وإذ يتناول الفصل الأول فترات تاريخية سابقة، يؤسس لما سيأتي فالقارئ سيجد
في كل فصل ما يذكِّره بدورة حياة شجرة الفستق؛ عام من الحصاد الوفير، يليه بشكل طبيعي عام من الراحة والتعافي. هذا الإيقاع الدوري يمكن ملاحظته في السياسة الإيرانية عبر التاريخ؛ فقد شهدت إيران فترات "حمل" سياسي واقتصادي، كالامتداد لعالمي للإمبراطورية الأخمينية، والنهضة الساسانية، والذروة الثقافية للدولة الصفوية، التي تبعتها فترات راحة أو انهيار من الغزو والصراع الداخلي والانحدار (كارثة الغزو المغولي ومن بعده الأفغاني). وفي العصر الحديث شهدنا الإيقاع نفسه مع بروز الدولة الحديثة في إيران، والصعود القومي
الاستقلالي المتمثل في فكر محمد مصدق، ثم ما تلاه من انهيار وتبعية للخارج، وصولاً إلى الثورة الإسلامية والحرب العراقية-الإيرانية، ثم قيام المشروع النووي الإيراني. ومع ذلك، وكما تجمع الشجرة طاقتها، لم تكن فترات السكون هذه بالضرورة فترات موت.
بل كانت في بعض الأحيان أوقاتًا للحفظ الثقافي، وللشعر الذي كتب بين الأنقاض، وللصمود الهادئ الذي سمح بالتخطيط وإعادة بناء القوة. على مدى التاريخ، كان للقوى الخارجية دور في تشكيل التاريخ الإيراني. وقد سعت النخب الإيرانية إلى فهم ديناميات "الرياح" الخارجية والتعامل معها، متبنية
تكتيك شجرة الفستق. فهذه الشجرة التي تعتمد على الرياح، لا على النحل أو الحشرات الأخرى، لحمل حبوب اللقاح من الشجرة الذكرية إلى الأنثوية في عملية دقيقة، تعتمد على القرب والتوقيت وفهم اتجاه الريح كقوة خارجية، لا يمكن السيطرة عليها، من أجل ضمان أن تنقل حبوب اللقاح بفاعلية خلال فترة الإزهار القصيرة في الربيع.
هذه الرقصة على أنغام الريح فهمتها إيران وحاولت دائمًا أن تكيفها لمصلحتها في الإقليم. فقد رقصت في أحيان كثيرة على التباينات كما يظهر في الكتاب، عبر الدخول في صفقات تتناقض مع ما