منيرة ثابت صاحبة الدعوة إلى حق المرأة المصرية في الزواج دون ولي، وإلى التصويت في البرلمان، والترشح في كل المجالس النيابية
في ديسمبر 1945، نشرت منيرة ثابت مذكراتها بعنوان “ثورة في البرج العاجي.. مذكراتي في عشرين عامًا عن معركة حقوق المرأة السياسية”.
حينها كانت في نحو الأربعين من عمرها، أي أنه كان قد مضى ما يقرب من 18 عامًا على واقعة محاكمتها للمرة الأولى (من مواليد الإسكندرية 1906)، وهي لا تزال تلميذة في مدرسة الحقوق الفرنسية، بأمر من المندوب السامي البريطاني، بسبب مقال حاد اللهجة ينتقد للاحتلال، لكنها لم تعاقب لحداثة سنها، كما رفض مدير مدرستها فصلها، لأن قوانين المدرسة لا تمنع التلاميذ من ممارسة الكتابة وإبداء آرائهم..
في 1945 كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت للتو، ومصر لا تزال تقع، بشكل أو بآخر، تحت الاحتلال البريطاني. لمن لا يعرف، منيرة ثابت إحدى الرائدات النسويات المصريات، بل الرائدة بال التعريف؛ فهي أول فتاة مصرية تحصل على ليسانس مدرسة الحقوق الفرنسية، وأول صحفية نقابية في نقابة الصحفيين المصرية؛ التي كان لها فضل كبير في تأسيسها، وأول صحفية ورئيسة تحرير لصحيفة سياسية؛ “الأمل”، التي أصدرتها عام 1925 في نسختين؛ يومية بالفرنسية، وأسبوعية بالعربية. كما أنها، وهذا الأهم، صاحبة الدعوة إلى حق المرأة المصرية في الزواج
دون ولي، وإلى التصويت في البرلمان، والترشح في كل المجالس النيابية. كل هذه المطالب ولم تتم من تعليمها سوى الابتدائية فقط (الابتدائية القديمة تعادل الإعدادية حاليًا). تعترف منيرة للقارئ في بداية مذكراتها، أو ربما تحذره، بأنه لن يجد في كتابها ما تعوَّد عليه في كتب الروايات والقصص التي يتفكه بها، ولن يجد التسلية الموجود في قصص الغرام وأحاديث العواطف، لأن هذه الأمور “لم يكن لديها متسع من الوقت للاهتمام بها أو التفكير فيها”! مع أن بعض روايات تاريخية تذهب إلى أنها أحبت المؤرخ والصحفي عبد القادر “باشا” حمزة، مؤسس صحيفة “البلاغ”،
الذي كان يكبرها بـ26 عامًا (من مواليد 1880)، وتزوجته لعدة سنوات- لكنها تعده بأنه سيجد بدلاً من ذلك، موقفها من “مصدر السلطات”، وأحاديث الحياة الواقعية التي لا تخلو من الفكاهة، والأهم أنها صادقة.
الزعيم السفوري الجميل
في أوائل العشرينيات أنهت منيرة، دراستها في إحدى المدارس الإيطالية، ورغبت في دراسة الحقوق في مدرسة الحقوق الفرنسية، وهو بالطبع حدث لم يكن معتادًا آنذاك، لكن والدها شجعها، فهو الذي طالما حدثها في شؤون المرأة في مصر والخارج، وحكى لها عن ثورة النساء في إنجلترا ودخولهن البرلمان..
والدها إذن صاحب الفضل الأول في تكوين شخصيتها المحاربة، وتوجيه بصرها إلى أهمية قضية المرأة، وهي تُقر أن مقالاتها الأولى كانت متأثرة بأسلوبه ونزعته “المتطرفة”..
نحن هنا بعد سنوات قليلة من الحدث الأهم في تشكيل وعي المصريين في النصف الأول من القرن العشرين؛ ثورة 1919.
وقد تأثرت منيرة بسعد زغلول، وبالوفد وبثورة 19، تأثرًا كبيرًا. وجمعتها علاقة شخصية قوية بسعد زغلول وهي بعد في الثامنة عشرة، حتى إنها كانت تلقبه وتناديه بـ”الزعيم السفوري الجليل” وكان يتقبل هذا اللقب باسمًا!
(السفوري أي الداعم لسفور المرأة)، وتنسب إليه فضل نجاحها في أن تكون أول فتاة اشتغلت بالصحافة السياسية اليومية في مصر. وتذكر، في أكثر من موضع، أنه لم يحدث قط أن وبخها أو وقف في طريق مطالبها الثورية بحقوق المرأة المصرية، بل على العكس، شجعها، ووعدها بتحقيق كل تلك المطالب حين تتوطد الحالة السياسية في مصر.
كانت منيرة هي “الوحيدة” (مثلما ذكرت مرارًا)، التي لاحظت قبل افتتاح البرلمان الأول أنهم لم يعدوا للنساء مكانًا في شرفات الزوار، فبادرت بالاحتجاج العنيف، وكتبت في الأهرام بتاريخ 3 مارس 1924، في عمودها “خواطر ثائرة