لكي تكون ملكًا لابد أن تقتل شخصًا بداخلك، وهذه ليست مأساة كاملة، بالنسبة لمن يقيمون حياة لذيذة على القتل.
العلاقة بين الملكية والموت وثيقة؛ فالملك لا يصبح ملكًا إلا إذا مات الملك الذي سبقه، سواء جسدًا أو دورًا أو قدرة على فرض السيطرة أو تمرير الضعف.
وفقًا لمعلوماتنا عرض ملك السعودية عبد العزيز آل سعود على آخر ملوك مصر فاروق الأول استضافته بعد التنازل عن العرش، وذلك قبل حركة الضباط بفترة زمنية ليست بقصيرة؛ كانت النهاية قريبة ويعرفها خبراء روائح موت الملوك. يمكن أن نقول أيضًا إنه لكي تكون ملكًا لابد أن تقتل شخصًا بداخلك، وهذه ليست مأساة كاملة، بالنسبة لمن يقيمون حياة لذيذة على القتل؛ لكن فاروق لم يندمج تمامًا في قتل الشخص الفالت في داخله..
قرأنا بعد سنوات طويلة حكايات عن الجانب البوهيمي في حياته؛ كان مثالاً يحب النوم على مرتبة في شرفة قصره، ويذهب أحيانًا إلى مقابلات رسمية بحذاء دون جورب، وكانت خياراته في الملابس بعيدًا عن البروتوكول تتسم بالفوضوية، كما كان يحب قيادة سيارته بنفسه حين يذهب إلى كازينو الكيت كات، والأسفلت في بعض الميادين يحتفظ بعلامات دوران إطارات السيارة الملكية حول نفسها، كما إن ذاكرة شقيقته فوزية تحتفظ بذكرى مؤلمة عندما وجدت أشياء ثمينة مفقودة من حقيبتها حين عادت من طهران بعد الطلاق من شاه إيران، فقد كان فاروق مصابًا بداء السرقة.
الحكايات متناثرة في أكثر من كتاب، ولعل أغلبها في مذكرات كريم ثابت السكرتير الصحفي للملك بعد حادثة 2 فبراير 1942.
ولد فاروق من جديد بعد حادثة حاصرت فيها الدبابات البريطانية القصر، وشعر الملك الحائر بأنه “أسد حبيس” عندما أراد السفير البريطاني إجباره على تعيين مصطفى النحاس رئيسًا للحكومة، وهذه إحدى علامات موت نظام سياسي كامل؛ الوفد يتحول من حزب شعبي يتولى السلطة إلى حزب سلطوي، والملك الموصوف بأنه معظم ومحبوب أحيانًا، وفاسد أحيانًا يتحول لمقاوم للاستعمار، بهذه الشخصية الجديدة غادر فاروق قصره،
وفي نفسه يقين بأنه خسر عرشه نتيجة لمخطط من مستشارين عسكريين أجانب، ولم يقم “نجيب (يقصد اللواء محمد نجيب) بتخطيطه على ضوء شمعة في خيمته العسكرية…” كما قال “أصبحت الآن حرًّا” هذه أول جملة كتبها فاروق في مذكراته التي لم تكن مذكرات بالمعنى الكامل؛ بل كانت أقرب إلى محاولة رد طويلة، أملاها على الصحافة الإيطالية، لتصحيح صورته التي رسمتها روايات الضباط عبر الصحافة والبيانات والنميمة الهابطة من مقر القيادة إلى الشارع.
الملكية أيضًا ترتبط بالتوريث؛ أو الهندسة المسبقة لمن سيتولى السلطة بعد “اختفاء” الملك، وهذه خصائص لم
تختف مثلاً مع ظهور الجمهورية في مصر، واستمر التوريث؛ وبدلاً عن الوراثة داخل العائلة، أو الفرع المنتصر داخلها، اتسعت لتكون بين “طبقة الجنرالات” وترتبط بالموت الفعلي أو على سرير الإقامة الجبرية.
والملكية ترتبط بالذكورة، وما يحيطها من هيلمان الانتشاء بالانتصار، والانتصاب، والإخضاع، وارتباط بالصورة الكبيرة عن العالم باعتباره “مخلوقًا” ذكرًا، يجد للأنثى وظيفتها. وفي قوانين الملكية شرقًا وغربًا يمنح الملك زوجته لقب الملكة، بينما زوج الملكة (الاستثناء الذي لا ينفي الذكورة) لا يمكن أن يكون ملكًا. هذه ملاحظات/ انطباعات خرجت بها في رحلتي مع حكايات
الملكية في مصر التي انتهت رسميًّا من 1953، ويستدعيها المحبطون في صور مختصرة يضعونها تحت عنوان “الزمن الجميل“. ولأن كل ماضٍ مضى، دون مسؤوليات، وبقدرات مذهلة على الاختصار في “الصور“، يظهر من وقت لآخر مقاتلون آخرون يحلمون بـ“زمن جميل” آخر يرتبط بالرئيس عبد الناصر، مدمر الملكية وناصر الغلابة.
تتصاعد الحروب بين أنصار كل “زمن جميل” حتى تختفي القدرة على تحليل الواقع، ويسقط العقل في متاهة فانتازيا تتوالد من اختزال الصور أو من سيطرة النوستالجيا/ الحنين على كل ما عداها من أدوات وعواطف. ربما تكون النوستالجيا ملمح مقاومة، أو إعلان