“ليس هناك سبب عميق.. بل ربما يبدو لك السبب تافهًا، مللته وفقط.. مللت الحجاب.. يمكنك أن تكتبي ذلك في موضوعك لكن لا تكتبي اسمي”!
من النادر أن يكون الفعل أسهل من القول؛ تعاملت مع هذه النادرة عندما قررت التحدث إلى فتيات خلعن الحجاب. كنت أعلم أن الأمر شخصي وحساس، لكن لم أتخيل أن ألاقى هذا الكم من التعتيم والرفض والفر حين أسأل: “لماذا خلعتِ الحجاب؟”.. حصلت على إجابات مبتورة، وحصلت على رفض أكثر من الكلام. ربما حدثتكم في البداية عن الإجابات ولو كانت مبتورة. أذكر الفتاة الأولى التي سألتها؛ شابة في الثامنة والعشرين من عمرها، أحسبها على قدر من الثقافة والتصالح مع الذات، قالت بكل بساطة “ليس هناك سبب عميق.. بل ربما يبدو لك السبب تافهًا، مللته وفقط..
مللت الحجاب.. يمكنك أن تكتبي ذلك في موضوعك لكن لا تكتبي اسمي”. الفتاة الثانية كانت بعمر أصغر، حديثة التخرج، خلعته مباشرة بعد أن أنهت دراستها الجامعية، مثل كثير من الفتيات اللاتي عرفتهن بحكم عملي كمدرس مساعد بالجامعة. هناك من أخمن من النظرة الأولى وربما الثانية قابليتها لخلع الحجاب. يرتدين ملابس يمكنني أن أصفها بأنها ثورة على الحجاب بطريقة غير مباشرة، وفي تعبير عادل إمام الساخر في فيلم “مرجان أحمد مرجان” “مأنتمة من فوق مع عمرو خالد ومن تحت مع عمرو دياب”، تحوي بداخلها شخصيتين؛ شخصية تريد أن ترضي الله، أو ترضي
أهلها أو المجتمع بتغطية الرأس، وشخصية تريد أن تجاري الموضة، أو أن تثور على غطاء الرأس، أو أن تبرز أنوثتها، أو غير ذلك، عن طريق ارتداء ثياب ضيقة وأحيانًا قصيرة، حتى إن تلك الثياب تكشف أحيانًا قدرًا كبيرًا من الساق، وربما شفافة بدرجة ما تكشف النهد.
اخترت تلك الفتاة على وجه التحديد لأني لم أتوقع أن تخلعه؛ بدت الفتاة هادئة وراضية، ملابسها لا توحى بتلك الثورة، وإن لم تكن تنفيها تمامًا. لكنها على أي حال خلعته، فسألتها عن السبب. ردت بتلقائية أنها أرادت أن تحدث أحدًا في الأمر ولكن لم تعرف إلى من ومن أين تبدأ.
رفض أهلها ذلك التغيير في الزي، لكنها أصرت. تحكي لي أن أهلها متدينون إلى حد كبير؛ لم يكن في الأمر اختيار. حين بلغت، أخبرتها أمها أنها يجب أن ترتديه. لم يكن يضايقها في البداية، لكن كلما كبرت وزادت شكوكها نحو الله والعالم كلما أحست أنه عبءٌ عليها.. الشك هزَّ أركان أنفس الكثيرًات ولا يزال. اتصلت بإحدى صديقاتي كي تساعدني في هذا الموضوع. هاتفتها وقلت: لديك وقت لمساعدتي في أمر؟ سألت: ما الأمر؟
قلتُ: موضوع عن خلع الحجاب.. صمتت لبرهه، ثم قالت في تردد: حسنًا ولكن لماذا اتصلت بي اليوم تحديدًا؟
قلت: لا شيء.. فقط تذكرت اليوم.. قالت في تردد: هبه.. اليوم خلعت حجابي.
ذهلت، وقلت إني أريد مقابلتها، أبدت موافقة، لكنها لم ترد على مكالماتي ولا رسائلي بعد ذلك غير مرة؛ كنا قد اتفقنا فيها على موعد وكتبت لي تعتذر عن عدم قدرتها المجيء، حددنا موعدًا آخر، لكنها لم تؤكد ولم ترد. كنت أعلم أن لديها مشكلة مع إيمانها الذي أخبرتني في إحدى المرات أنه بات مهددًا كأركان بيت قديم يوشك على السقوط. أعرف أيضًا أنها سلكت طريق الحجاب وحدها؛ فجميع أفراد عائلتها من النساء غير محجبات، وليس للعائلة بشكل عام اهتمام كبير بالدين.
واظبت على حضور الدروس الدينية وحدها، وارتدته وحدها. وجهها ملائكي لم تكن تحب أن تضع عليه المساحيق مطلقا وكان زيها مطابقًا لما يسميه الشيوخ “الحجاب الصحيح”. لم تكن الوحيدة التي أثارت النقطة نفسها، أن محيطها غير مهتم كثيرًا بالحجاب بشكل خاص أو بالدين بشكل عام. أخبرتني صديقة لم تشأ أن أذكر اسمها كذلك، أن صديقاتها في الجامعة الخاصة التي كانت تدرس فيها لم يكن يرتدين الحجاب. وبعد تخرجها، ملت القيد الذي قالت إن الحجاب فرضه عليها، لأنه لا يناسب الكثير من الأماكن التي يرتادها أصدقاؤها “لبست الحجاب في ظرف نفسي معين؛ توفي أحد أفراد