أين تذهب كلابنا الحبيبة بعد الموت؟

في مطاردة الرغبة

أين تذهب كلابنا الحبيبة بعد الموت؟

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

هذه النسخة الأخيرة مما كتبت عن أسامة الدناصوري بعد رحيله.. وربما لن تكون الأخيرة.. وتظل أسئلة الغياب ورحلة التعامل مع الألم ومراوضة الموت لا تنتهي!

أين تذهب رغباتنا بعد الموت؟
بعد ثماني عشرة سنة أو يزيد من غياب أسامة الدناصوري؛ لا زلت محتارًا.. وأنا أسأل عن رغبته التي أسماها “كلبي الهرم.. كلبي الحبيب” منها عنوان روايته الوحيدة؛ ومنها وصف العلاقة مع الرغبات. هكذا قفزت في رأسي من جديد صورة كلابنا الحبيبة، الهرمة، وأجسادنا في رحلة تعبها.. تلك الرحلة المثيرة الممتعة المأساوية. ماذا يحدث للكلاب الحبيبة بعد ابتلاع جثتنا للجسد؟ هل تموت الكلاب مع الجسد، أم تظل تحوم في الأفق.. وتشم رائحة الرغبات المبعثرة.. أو حتى تحفز الرغبات المهجورة في أجساد منهكة؟

هل تعيش الكلاب الحبيبة في الأرواح وتهرم مع الأجساد.. وفي أي زاوية تنزوي حين نموت؟ حين يموت الشعراء الذين وضعوا علاقتهم بالرغبات في موضع الخلود؟ سيبتسم قارئ عجول ويقول: ما أجمل الشعراء! إنهم طيبون.. رومانسيون.. وسيختفي بعد ذلك في حشود تتعالى يوميًّا على ضعفها، أو تتسول به من الآلهة الجبارة فرصة للبقاء.
ماذا يفعل الشعراء في مدينتنا الحديثة؟ ماذا يفعلون غير تذكير الحشود بأننا لسنا في رحلة البحث عن بطولة.. تلك الرحلة اللاهثة من أجل أشياء لا تدفن معنا ولا تبقى لنا بعدنا؟

هل تموت الكلاب مع الجسد، أم تظل تحوم في الأفق.. وتشم رائحة الرغبات المبعثرة؟

أحببت الكلاب بعد موت أسامة بسنوات، ولا أعرف هل هناك علاقة بين هذا الحب على كبر، وبين التماهي بين الرغبة وكلابنا الحبيبة..
هل استيقظت رغبتي في التواصل مع هذه الكائنات التي كانت تخيفني صغيرًا، وترعبني كلما كبر جسدي وأصبح ثقيلاً على اللهث فرارًا من أمامها.. كيف اقتربت إلى هذه الدرجة.. كيف تمتعت بأحضان كلب وأنا في عمر أسامة حين غادرنا؟
الكلب كائن قديم.. مثل أجسادنا وهي تعوي يوميًّا في محاولة اقترانها اللاهث بحداثة لا حدود لها، عشاق الكلاب لهم تلك الأرواح الهرمة الحبيبة.. 

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،
 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

على اليمين الطبعة الأولى من كتاب (كلبي الهرم.. كلبي الحبيب) عن دار ميريت، وعلى اليسار الطبعة الأخيرة عن دار ديوان.

 لهم ما يجعل الحب والرغبة والمتعة والفن والنشوة والكتابة واللوحة، شيء أكبر من علب استهلاكها أو شهادات حيازتها.. أو.. أو.. كل ما يجعل كلابنا تعوي وتلهث كلما ضبطت نفسها على إيقاع اللحظة الراهنة وهي الغارقة في إيقاع كوني لا تسيطر عليه السياسة أو الدين أو الملكية أو الصحة الوافرة والأجساد الكاملة والثقة الزائدة في ما نضعه تحت حيازاتنا المسجلة.
لا أعرف لماذا حبست نفسي في غرفة المكتب أربعة أيام بعدما “خبطني” الخبر “أسامة الدناصوري.. خلاص”.
لم يكن الخبر مفاجأة بالمعنى الكامل للكلمة.. كنت أنتظره منذ أول يوم 

عرفته فيه، فهو من نادي “الفشل الكلوي”. ومفردات مثل المرض والموت المرعبة، كانت طبيعية وأليفة في عالمه، منذ عرفته.
التقينا قليلاً مقارنة بمساحته عندي.. وفي كل مرة أكتشف جزءًا منه. كنت مطمئنًا، رغم القدر المحتوم، إلى أن هناك وقتًا لكي أعرفه أكثر.
لكنه فعلها واختفى بعد أيام قليلة من انتهاء كتابه الجديد الذي كتب فيه بروفة الموت. وظننت أنه انتصر إلى الأبد على تجربة عاش معها 12 سنة متنقّلاً بين وحدات الغسيل الكلوي التي عثر بين تفاصيلها على حكايات وأصدقاء، ودراما منحته حياة إضافية..

اقرأ أيضاً

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية