هذه تجربة ترسم حدود اكتشاف المدينة من خلال استعادة فعالية الفلسفة بوصفها ذلك المجال الذي يعيد باستمرار استكشاف علاقتنا بالعالم وبما فيه!
هذه تجربة فكرية جديدة في فهم المدينة. لماذا نريد التفكير المدينة؟ ربما لنفهم العالم ونفهم أنفسنا.. إذا كانت المدينة هي العالم كما شكله الإنسان، وفق رغباته وأفق تطوره؛ وحسب عالم الاجتماع روبرت بارك “أصبحت المدينة هي العالم الذي حكم على الإنسان بالعيش فيه، بالتالي وعلى نحو غير مباشر ودون أي فهم واضح لطبيعة مهمته في تشكيل المدينة، أعاد الإنسان تشكيل ذاته..”. أى أننا لن نغير أنفسنا؛ كما نتمنى ونرغب ونسعى؛ إلا بتغيير المدينة.. ومن هنا تظهر أهمية هذه التجربة الجديدة التي سنتابعها في أجزاء تبدأ من هذا المقال..
التجربة ترسم حدود اكتشاف المدينة من خلال استعادة فعالية الفلسفة بوصفها ذلك المجال الذي يعيد باستمرار استكشاف علاقتنا بالعالم وبما فيه. وبالتحديد أكثر تستخدم أدوات علم الفينومينولوجيا (أو كما ترجم في العربية لعلم الظواهر) الذي يدرس الوعي بالظواهر وطريقة إدراك الواقع لها. إدموند هسرل أعلن تأسيس المنهج الظاهراتي،وشرح تفاصيله في محاضرة فرايبورج عام 1917 مستلهمًا اكتشاف الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في تأمله الشهير “أنا أفكر إذن أنا موجود”، الذي جاء في إطار البحث عن أشكال جديدة يتسنى بها للعقل الذي
لم يهدأ أن ينمو بحرية أكبر. العقل الذي لم يهدأ يريد فرصة للتأمل بعيدًا عن النزعات الاجتماعية والنفسية التي “تريدنا أن نرى كل شيء بمنظار ونرد كل شيء إلى مقولاتها..” كما قال هوسرل في تقديمه للمنهج الذي كان جديدًا في ذلك الوقت المبكر من القرن الماضي.
لكن هذه الثورة “أصبحت قديمة..” وأدواتها كلاسيكية.. وتحتاج إلى بحث جديد يمكنها من أن تتناول ظواهر صعبة ومعقدة مثل “المدينة” وهذا هو الباب الذي تفتحه التجربة..
وائل..
تمهيد أولي حول فينومينولوجيا المدينة ما إن نلج إلى المدينة أو نبدأ التفكير فيها إلا ونجدها تقدم نفسها إلينا بوصفها حقلاً لتعينات لا تنضب ولا يمكن استنفادها، فما من مدينة على سبيل الحصر إلا وهي تبدو مستغرقة في حالة من التباهي والزهو بكثافتها وامتلائها وتنوعها الذي يستطيع أن يفرض نفسه على مجالنا الحسي وكأن هذا المجال يخصه أكثر مما يخصنا؛ إذ ستبدو المدينة دائمًا وكأنها لا ترضى في أي لحظة بما هو أقل من وضع حواسنا وأفكارنا في حالة انخطاف كامل تجاهها، وهو ما تحاوله عبر مراوغاتها الدائمة لنا بصور وعلاقات تلمع فوق أسطح متراكبة بلا قاع، والتي ما إن ننزلق تجاه
إحداها حتى تباغتنا أخرى في وقاحة مغوية تدفعنا إلى الغوص أكثر خلف ما تواريه لنظل في حالة انزلاق دائم بين تلك الأسطح التي يسلمنا كل منها إلى الآخر، في دورة سيبدو أنها لن تصل أبدًا إلى حيث ينبغي أن تتوقف، وهي دورة قد نعتقد أننا نستطيع الخروج منها في أي وقت نشاء، دون أن نلاحظ بنفس الوضوح أنه أيًّا كانت طبيعة هذا الخروج؛ وأيًّا كان ما نخرج إليه فلا يوجد وصول أو عودة إلا إلى ما غادرناه. وهكذا، فبفضل هذا الحراك الذي لا ينتهي تظل ظاهرة المدينة غير شفافة تجاه ذاتها ولا تجاه ما يكونها ويؤسس لإنتاجها وإعادة إنتاجها.
وقد يبدو أن بمقدور بعض التأمل في حالة “إعادة إنتاج المدينة لذاتها”؛ بوصفه ينطلق من سؤال ينصب على لحظة آنية تقع في متناول قدرتنا على الملاحظة، أن يبطئ من حركة الدوار المحمومة التي تقذفنا إليها المدينة دائمًا، وأن يقربنا بعض الشيء من الملامح الأكثر أساسية للظاهرة بحيث نستطيع أن ندفع تأملاتنا نحو التشبث بنقطة أقل انزلاقًا أو أكثر استقرارًا على نحو يسمح باستخدامها كمنصة موازية قد تمكننا من مراقبة المدينة من زاوية تكشف عن بعض كيفيات ما تكونه.
غير أنه إذا كنا نقر بداية أننا لا نعرف ما يكفي عن مسارات إنتاج المدينة لذاتها في العالم، فهذا يعني أن تأملات
“إعادة الإنتاج” لا تستطيع أن تضمن لنفسها ما هو أكثر من تكرار اجترار ما تقدمه المدينة من حكايات متداخلة ومتقاطعة تنتشر في التاريخ بقدر انتشار ظاهرة المدينة نفسها.
ولكن، إذا ما كنا نفترض أن الحكاية بطبيعتها هي شبكة من الترابطات التي تحيل دوما إلى ترابطات أخرى في حركة لا تتوقف أبدًا، فمن الممكن أن نفكر في أن ظاهرة المدينة تستغل هذا الحراك “الحكائي” لمواراة ذاتها والتخفي داخله. واللطيف هنا أن هذه الفكرة تضعنا أمام علاقة يمكن اختبارها فينومينولوجيا بطريقة تقنية قد تبدو فعالة بعض الشيء: فماذا لو أننا حاولنا حذف كل “ما هو حكاية”وإبعاده مؤقتًا عما