هل يقرأ الطغاة؟ نعم.. ألبرتو مانجويل يؤكد أنهم يقرأون لكنهم لا يقرؤون مثلما يقرأ غيرهم.. الكتاب عندهم أداة من أدوات السيطرة!
هذه واحدة من المرات النادرة التى أكتب فيها عنوان المقال قبل الانتهاء منه. لكن السؤال خطر على بالى وأنا أقرأ: «إن النظم الشمولية ليست الوحيدة التى تخشى القراءة». هذه الجملة محشورة فى كتاب ممتع من الصفحة الأولى عنوانه «تاريخ القراءة». والمؤلف ألبرتو مانجويل يكملها بجمل أقوى: «حتى فى ساحات المدارس، وفى خزائن الملابس، وفى دوائر الدولة والسجون تجري مراقبة جمهرة القراء بعين الارتياب، نظرًا إلى لما يشعر المرء به من سلطان القراءة وقوتها الكامنة، وعلى الرغم من الاعتراف بأن العلاقة بين الكتاب والقارئ علاقة مفيدة
ومثمرة، فإنها علاقة تعتبر مترفعة ورافضة، ربما لأن مشهد قارئ وقد انزوى فى أحد الأركان ونسى العالم المحيط به يشير إلى جو شخصى غير قابل للاقتحام وإلى نظرة منطوية على الذات وتصرف أناني..»!
هكذا كانت أم ألبرتو مانجويل تقول له عندما تراه يقرأ: «اذهب إلى الخارج وعش حياتك».. وكأن «انشغالى الصامت هذا كان يتعارض مع تصوراتها عن الحياة»، يقول ألبرتو، وهو يتأمل ذلك الخوف المستشري مما قد يفعله القارئ بكتابه، الذى يشبه الخوف الأزلي الذى يبديه الرجال مما قد تفعله النساء بالأجزاء المخفية من أجسادهن، ومما
ومما قد تمارسه الساحرات ويزاوله الكيميائيون فى السر وراء الأبواب الموصدة لمطابخ سمومهم!
1
ألبرتو يصحبك من الصفحات الأولى في رحلة مع قراء يتتبع كل إيحاءاتهم وقدراتهم ومسراتهم ومسؤولياتهم والطاقات التي تقدمها لهم القراءة. وهو تاريخ مثير؛ ليس لأنه فقط يروي سيرة التحرر الذي يبديه كل قارئ للحظات وهو يمسك الكتاب. ولا لأنه يعتبر أن «القراءة ضرورية مثل التنفس». ولا حتى لأنه يحكي تاريخ القراء العاديين بجوار روايته لتاريخ التطور الذي انتقلت به القراءة من
من فعل يعلن به الفرد الانتماء إلى الجماعة المغلقة. إلى طريقة لاكتشاف الذات وخصوصيتها المطمورة تحت ركام المعرفة العمومية المستبدة. طريقته هي التي أعجبتني بالأساس. بدأ ألبرتو مانجويل من هاجس شخصي لرواية حكايته مع القراءة التي أعطته عذرًا مقبولاً لعزلته «بل ربما أعطت مغزى لتلك العزلة المفروضة على.
فبعد رجوعي إلى الأرجنتين (بلده الأصلي وكان والده كثير السفر لأنه يعمل في السلك الدبلوماسي) عام 1955 قضيت معظم أيام طفولتي بعيدًا عن أفراد عائلتي محاطًا برعاية مربيتي، حيث كنا نسكن في أحد الأقسام
لوحة فرانز فالكنهاوس: مكتب الضبط: لم استطع الهروب منها عندما فكرت في علاقة الديكتاتور بالقراءة!
المعزولة عن المنزل الذي كانت تقيم فيه عائلتي.كان مكان القراءة المفضل لدي هو أرضية غرفتي الصغيرة، حيث كنت أستلقى على بطني وقد ركزت قدمي الصغيرتين في أحد الكراسي. ثم سرعان ما أصبح السرير أأمن الأماكن لمغامراتي الليلية خلال الفترة الضبابية التي كنت أتأرجح خلالها بين اليقظة والخضوع لسلطان النوم. لا أستطيع أن أتذكر قط أنني كنت وحيدًا في لحظة من اللحظات. على العكس تمامًا، فإن ألعاب وأحاديث الأطفال الذين ما كنت ألقاهم إلا نادرًا، وجدتها أقل إثارة بكثير من المغامرات والأحاديث التي كنت أعيشها في كتبي».
«إنني لست وحيدًا»: هذا هو الاكتشاف الشخصي الذي دفعه لتتبع مئات الحكايات واقتفاء آثار النصوص المكتوبة والمقروءة والمطبوعة عبر مختلف العصور وفى الكثير من مكتبات العالم. ليعرف سر القرابة العنيفة بين المتيمين بقراءة الكتب وكأنهم يعيشون حياة سرية متراكمة عبر أزمنة تاريخية. تتناقل الأسرار من شخص إلى آخر. ومن مجتمع إلى آخر.. بين «أولئك الذين أظهروا على مر العصور شغفهم بهذه الكتب أو بتلك، الذين اهتدوا بأحكام الأكبر منهم سنًا، أولئك الذين انتشلوا الكتب من طي النسيان، أو أولئك الذين جمعوا على رفوف كتبهم درر الأدب المعاصر».