ماذا تقول الصورة بعد سنوات عن اللحظة التي التقطت فيها؟ وماذا لدينا بعد أن صارت الجرائد من مخلفات الماضي!
“الرجل الذي كان يقرأ الجرايد”..
عنوان وضعه الأستاذ حسام علوان لصورة نشرها على حسابه في فيسبوك، صورة تنتمي إلى مجموعة مقتنياته من الصور والأوراق والكتب أو أجزاء الكتب، القديمة، تلك الأشياء التي نشعر حين نراها بنغزة الحنين ونود لو نلمسها، أشياء لو لم تقع في يد من يقدر قيمتها فربما يُعاد تدويرها أو استخدامها كوقود لتدفئة الأيام الباردة.
خطابات مكتوبة بخط اليد على ورق اصفر لونه، أو ربما كان لونه في الأصل كلون أشعة الشمس المنكسرة في الأصيل وعتَّقه القِدم، تحوي رسائل حب أفلاطوني، مودة بين زوجين، ميزانيات
الرجل الذي كان يقرأ الجريدة: الصورة من مقتنيات حسام علوان
بعملات نراها صغيرة صارت من التاريخ أو بأرقام آحاد من عملة أكبر قاربت بدورها أن تكون صغيرة، مطالبات وخلافات بلغة لم تعرف بعد الفُجر في الخصومة، يوميات خلدت حيوات أصحابها بعد رحيلهم، صورًا نصِفها استسهالاً “أبيض واسود” لأننا لا نعرف كيف نسمي ألف درجة من الرمادي، لون الاحتمالات واللا اليقين، ومنها كانت هذه الصورة.
يصف عنوان الصورة ببساطة ما يفعله مُضيُّ الزمن وكيف يتحدى التقاط صورة ذلك المُضيّ، مُضيّ البُعد غير الملموس، الذي لا يتوقف لأحد ولا “على أحد” في مضاءٍ كحد السيف، استخدام الفعل
الماضي مع المضارع، ما يمكن أن نطلق عليه تجاوزًا “الماضي المستمر”!
في ترجمة حرفية لأحد أزمنة الفعل في اللغة الإنجليزية والذي لا يقابله زمن مثله في اللغة العربية، واصفًا لحظة جمدتها الصورة لنراها.
هذا الرجل “كان”، وهو على الأرجح غير موجود في عالمنا الآن، لكنه أمامنا “ما زال” يقرأ الجريدة، كما يجمع العنوان ببلاغة بين عربية فصحى ملائمة لزمن الصورة وكلمة عامية لائقة بمحتوى الصورة، لتحل الياء المخففة في “جرايد” محل همزة على نبرة، تكسر انسيابية الكلمة وتحد من حميميتها بخروج تلك الهمزة من الحلق، ليقترب العنوان أكثر
من هذا الرجل الجالس على كرسي أسيوطي باسترخاء مرتديًا ملابس البيت المريحة، إلى جواره عدة كتب.
صورة التقطت له على غفلة، أو صورة مرتبة على طريقة “صورني وأنا مش واخد بالي”.
من خلفه ممر قصير ينتهي بباب ذي مصراعين، فُتح أحدهما وأُغلق آخر، تعلوه شُرَّاعة زجاجية، لا وظيفة لها إلا أن تشي بالنور إذا كان مضاء بالغرفة، علامة على أنها مشغولة إذا كان بابها مغلقًا، على غرار أبواب المنازل القديمة، ربما لاحترام خصوصية من في الغرفة، أو على العكس، لكشف وجوده بها، حسب رؤية الناظر على الجانب الآخر
من الباب.
الإضاءة نهارية، لكن الممر القصير معتم نوعًا ما، وفي آخره يسطع ضوء مقتحم من نافذة الغرفة المفتوحة. لوهلة، ذكرني ذلك الضوء في آخر الصورة بالضوء الذي يراه الموشك على الرحيل، في آخر النفق.
بديل الشاشة
خطر لي، من باب الحذلقة وشيء من التأمل، عناوين مختلفة قليلاً، مثل: “رجل كان يقرأ جريدة”، بتنكير الرجل بسبب مجهولية اسمه، وإفراد الجريدة، فلا أرى في الصورة سوى واحدة، وهو عنوان، كالعنوان الأصلي، يعترف بمرور
الزمن. ثم تذكرت قصيدة درويش، “مقهى، وأنت مع الجريدة”، ومثله للحظة الآنيَّة، وإعطاء كل الوزن للمعيَّة.
وأيضًا: “قارئ الجريدة”، على سبيل تخصيص الرجل للجريدة وإضافة الجريدة إلى الرجل، قبل أن توضع جانبًا، مثل زملائها من المواد المقروءة، على المنضدة الصغيرة المجاورة.
خطر لي أيضًا، أن الرجل ليس محور الصورة، أن الجريدة تشاركه البطولة.
على الرغم من إعلاء قيمة الإنسان باعتباره الكائن الأرقى، الفاعل، من كتب وأصدر وقرأ، ومن تدور حوله الأخبار، تستحق الجريدة هنا أن