في الجزء الثاني من دراسة" ثورة ١٩١٩ على الشاشة" محاولة لفهم لماذا تغيرت أدوار النساء على الشاشة مقارنة بالرواية؟ كيف أثرت الميلودراما في صورة التاريخ الوطني؟وحدود حرية الجندر في هذه السردية؟
قدم فيلم "بين القصرين" معالجة جريئة لمفهوم الچندر، يتجلى فيها جوهر دينامية إعادة بناء السياق. وفي الواقع، يبقى تغيير الحبكة وبناء الشخصيات الأكثر لفتًا للنظر في الفيلم، هو تحويل مريم إلى شخصية مناضلة وطنية. وقُرب نهاية الرواية، يرفض فهمي الذكرى الأليمة لقصة حبه وانفصاله اللاحق عن مريم، جارته التي أصبح يعتبرها خائنة بسبب تبادلها المغازلة مع جندي إنجليزي. تتجسد في الفيلم العلاقة بين فهمي ومريم بشكل كامل، وإنما فقط بعد أن تدفع ثمن مغازلة العدو، في مشهد أخلاقي يؤكد حدود تحرير الچندر كما يفهمه يوسف
جوهر وحسن الإمام. يواجه فهمي مريم ويصفعها. ومن المدهش أنها تعترف بحقه في القيام بذلك، تقول: "أنت "أخويا"، "وكل أخ بيضرب أخته". وتعترف: "صحيح أنا كنت غلطانة"، وتعده "وحياتك أنت ما حعمل كدا تاني". وبمجرد التكفير عن خطأها، من خلال إيماءة فهمي الانتقامية، يشرع الإمام في تحويلها إلى مناضلة وطنية. وقبل اندماجها في الحركة الثورية، تقوم مريم بإنقاذ الشاب من اعتقال القوات الاستعمارية، وذلك بإخفائه وإخفاء الحقيبة التي تحتوي على أسلحة أثناء تفتيش منزل أسرة عبد الجواد؛ وهو عنصر للحبكة غائب في الرواية.
إن تصوير المرأة كمُنقذة يقوض أدوار الجندر التقليدية التي ينقذ فيها الرجل نظيرته النسائية. على أن مريم لا تنقذ حبيبها بفضل مهارات شخصية، وإنما بسبب مصادفة حضورها في هذه اللحظة الحاسمة. كما أنها التحقت بالحركة الوطنية تحت تأثير فهمي، بعد أن قرأت المنشورات التي وجدتها في حقيبته، وقد أقنعها بالمشاركة في التظاهرات التي تحتفل بالإفراج عن سعد زغلول. وبذلك يتحقق تحولها من فتاة سلبية ومنعزلة إلى شخصية تشارك مشاركة كاملة في الحياة الاجتماعية والسياسية لبلدها، وتصبح واحدة من قائدات مسيرات الفتيات.
وهكذا يعزز الفيلم فكرة التناقض الثنائية بين الشعب المصري "الأخيار" والمستعمرين البريطانيين "الأشرار"، فلم يكن مقبولاً أن يقدم فيلم أنتج في سياق ناصري امرأة مصرية كمتعاونة مع العدو، كما فعل محفوظ.
إن اختيار زيزي البدراوي (١٩٤٤-٢٠١٤) في دور مريم يسلط الضوء على إمكانات تحول الشخصية. زيزي واحدة من العديد من الممثلين والممثلات الذين "صنعهم" الإمام، كما أنه من اختار اسمها الفني. وكانت تؤدي أساسًا أدوارًا لفتيات بريئات وقعن في شَرَك قصص رومانسية فاشلة. يقول محمود قاسم إنها جسدت
زيزي البدراوي/ مريم كانت اختيارًا يجسد البراءة التائبة والبداية الجديدة
شخصية "العذراء الخاطئة"، ومن ثَم كانت الخيار الأمثل لتجسيد صورة امرأة تنجح في التخلص من ماضيها "الآثم" وتحتضن بداية جديدة. وهذه الحياة الجديدة لا تنتمي لها فحسب، بل للأمة المصرية بأسرها أيضًا.
يسبق المشهد الذي يصور مريم وهي تقود التظاهرة، لقطة تصورها بمفردها على السطح، مرفوعة الرأس، في وضعية تستحضر تمثال محمود مختار (١٨٩١-١٩٣٤)، نهضة مصر. نحت مختار التمثال في أعقاب ثورة ١٩١٩، مجسدًا امرأة تقف بجوار أبو الهول وتضع يدها على رأسه. وأتاح "وضع التجاور بين مجد مصر الفرعوني القديم
وصحوتها الحديثة"، تفسير التمثال على نطاق واسع بأنه يصور "مصر الحديثة كامرأة".
تقف مريم وحدها في الفيلم، لكن هذه اللقطة تعقبها على الفور لقطات من التظاهرات النسائية التي تقودها، رافعة علمًا في يدها، وبجانبها ملصق لسعد زغلول. يُشجع هذا الانتقال بالتالي على تفسير مجازي لشخصيتها، يجسد أولاً الماضي، أمة مصرية مترددة تغازل العدو -ثم الحاضر- أمة فخورة تناضل من أجل استقلالها. تخضع الشخصيات النسائية في روايات محفوظ غالبًا لتفسير مجازي، لكن الأمر ليس كذلك في "بين القصرين".
تخدم الرمزية على الشاشة نقل ديناميات التحول من مريم إلى الأمة المصرية بأكملها، كما تصور بشكل ملائم صفعة فهمي على أنها انتقام من أجل الشرف الوطني. وعلى الرغم من وجود "علاقة عكسية بين بروز الشخصيات النسائية في تعبير الأمة المجازي ودرجة الوصول الممنوحة مقتبس"، فإن الأمر ليس كذلك في عمل الإمام.
تُصوِّر لقطات التظاهرة في الثلث الأخير من الفيلم حضورًا كبيرًا للنساء والفتيات، على النقيض من السرد الأدبي، الذي لا يذكر وجودهن في الشارع إلا عابرًا. وتظهر المشاركة النسائية كبيرة،