صنعت السينما صورة ثورة ١٩١٩ والبداية كانت من فيلم إنتاج الدولة الناصرية وعبر مخرج جماهيري معروف بأنه "سيد الميلودراما ".. هل كانت الصورة وفاءً للذاكرة أم إعادة صياغة لمفهوم النضال والوحدة الوطنية؟
"الفيلم، بطبيعته، يتحدث إلى حشود، يتحدث إليها عن الحشود وعن مصائرها."
في ٢٦ فبراير ١٩٦٤، قبل أسبوع واحد من إطلاق فيلم "بين القصرين" لحسن الإمام، شرعت مجلة آخر ساعة الأسبوعية في حملتها لتسويق الفيلم بتقديمه على أنه "يصور مرحلة هامة لكفاح الشعب من أجل الحرية والوحدة". بدأ المقال بفقرة قصيرة عن "الفرحة التي تعيش في قلوب أكثر من ٨٠ مليون عربي بنجاح مؤتمر القمة للملوك والرؤساء (القمة الأولى لجامعة الدول العربية، التي عقدت في القاهرة بين ١٣و١٦ ينير ١٩٦٤)"، وبذلك يضع
الفيلم في إطار السياسة المعاصرة المناهضة للإمبريالية: "أراد الفن أن يُذكرنا بأن وحدة الهدف ووحدة الصف.. كانتا أقوى سلاح في المعركة". يقدم المقال الفيلم كأول مشروع للشركة العامة للسينما العربية. ويواصل السرد أن الشركة "اختارت قصة "بين القصرين" لتبدأ بها رحلتها بالفيلم العربي إلى مجالات التطور وليكون رسولها إلى العالم يعلن عن مبادئنا وانتصارنا".
وقد أولت الدولة أهمية للفيلم، حيث حضر عبد القادر حاتم، وزير الثقافة والإرشاد القومي، العرض الأول في ٢ مارس ١٩٦٤ في سينما ريڤولي، التي تم تجديدها بالكامل لهذه المناسبة.
عرض "بين القصرين" في الأسبوع الأول، في الإسكندرية والمنصورة وبورسعيد وطنطا، ثم في الإسماعيلية ودمياط والمنيا. اتضح نجاح الفيلم على الفور من خلال إيرادات شباك التذاكر؛ إذ كانت التذاكر تباع جميعها يوميًّا، وظل معروضًا في سينما ريڤولي لمدة ٥ أسابيع. كما جاء في إعلان نُشر بعد ٣ أسابيع من بداية العرض أن "مليون [طبق الأصل] مشاهد استمتعوا بفيلم "بين القصرين" في أسبوعه الأول والثاني". ولا عجب؛ فقد كان حسن الإمام (١٩١٩-١٩٨٨) "مخرجًا تجاريًّا لم تشهد السينما المصرية مثله" على حد تعبير الباحث والتر أرمبرست Walter Armbrust.
ورغم الموقف السلبي لأغلب النقاد المعاصرين، الذين أسفوا لأسلوب المخرج المثير، واعتبره سعد كامل عبارة عن "قصة بوليسية ركيكة" مكونة من "خطب حماسية مملة" واجتماعات سرية (كامل ١٩٦٤)، سرعان ما أصبح "بين القصرين" فيلمًا جماهيريًّا وتكرر عرضه على شاشة التليفزيون. وقد كفل انتقاله إلى الشاشة الصغيرة أن يشاهده جمهور أوسع، كما ضمن نقل السردية بصريًّا؛ يمتد من جيل إلى آخر. لقد حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا، إلى حد منح حياة ثانية للشخصيات الأيقونية بالرواية في المخيلة الشعبية، لا سيما مع الاختيار الناجح لأمال زايد في دور أمينة، "المرأة
الأيقونية التقليدية" ويحيى شاهين في دور أحمد عبد الجواد، "أيقونة الرجولة التقليدية" على حد تعبير الباحثة هدى الصدة في كتابها عن الجندر والرواية العربية. من بين العناصر التي عاتب عليها النقاد حسن الإمام قضية الإخلاص -أو بالأحرى عدم الإخلاص- مؤكدين أن المخرج لم يكن مخلصًا لروح الرواية، وحولها إلى فيلم "رقّاصات"، في إشارة إلى فواصل الرقص المتكررة، واللقطات المقربة close-up لأجساد الراقصات، فضلاً عن حوارات عبد الجواد وياسين المثيرة مع عشيقاتهما، وهو ما أدى إلى تصنيف الفيلم "للكبار فقط"، بناء على تقرير الرقيبة، المكتوب بالفرنسية
والمحفوظ في المركز الكاثوليكي المصري للسينما والتليفزيون، وللمفارقة اسمها ماري غضبان، بأن "الرقصات حسية، لقطات عن قرب لأجزاء جسد الراقصة، وحركاتها وأزيائها... إلخ".
بيد أن الإخلاص لا يشغلني في هذا المقال، وإنما تهمني بالأحرى طريقة الفيلم في إعادة السرد الأدبي في سياق سياسي مختلف تمامًا. لقد انتهى نجيب محفوظ من كتابة "بين القصرين" قبل اقتحام الضباط الأحرار للساحة السياسية عام ١٩٥٢ عندما كانت مصر مَلَكية ولا تزال القوات البريطانية تحتلها جزئيًّا.
بدأ حسن الإمام العمل على الفيلم
عام ١٩٦٣ في سياق انخراط النظام الناصري بشكل كامل في بناء دولة مستقلة وحديثة، بعد أكثر من عشر سنوات من الانقلاب الذي وضع نهاية للنظام الملكي. وقد نجح النظام في إنهاء الحكم البريطاني بعد تأميم قناة السويس، وحرب ١٩٥٦ اللاحقة. وبدأ سياسة واسعة للتأميم والإصلاح الزراعي، وشدد من سيطرته على جميع مؤسسات الدولة. وشهدت بداية الستينيات تسارع السياسات المستوحاة من الاشتراكية. وبدأت موجة جديدة من التأميمات في عام ١٩٦١، بينما أعاد النظام تأكيد هويته الاشتراكية وتأكيد تقاربه مع الاتحاد السوڤيتي، خاصة