تؤثر الثورات على المجتمع ربما فيما يتعلق بالسياسة والاقتصاد وكل القضايا الكبرى، لكن هل لها أن تؤثر في أثاث البيت وشكل الديكور فيه.. ربما!
في التاريخ دائمًا توجد نقطة يقرر فيها الإنسان تغيير ما حوله، يخرج من حالة التأمل الصامت إلى الفعل الظاهر. وقد تأمل الإنسان الأوروبي حال العمارة الداخلية والخارجية حوله ثم قرر الثورة عليها ومحاولة تغيير أشكالها مع منتصف القرن التاسع عشر.
قبل منتصف ذلك القرن كانت العمارة تميل إلى الزخرفة، وكلما زادت دقة وتعقد الزخرفة كلما اعتبر المبنى أو شكل أثاثه جميلاً وأنيقًا. لكن بعض الفنانين لم يعجبهم أن يتلخص الجمال في كثرة الزخارف والحلي والأشكال الضخمة والمباني العملاقة، لذا حاول من عرفوا بعد ذلك بـ “رواد الفن الحديث”
تغيير مقاييس الجمال كي تصبح في الشكل الهندسي البسيط وقلة الزخارف ودمج التكنولوجيا بالفن واستخدام الألوان الأساسية.
في نفس الوقت الذي ظهرت فيه حركات الفن الحديث كان المجتمع الأوروبي قد بدأ يتأهب للتسامح مع ما هو جديد وغريب وغير مألوف؛ بحثًا عن الإثارة وخروجًا من كنف الملل. والأمر الثاني الذي أسهم في هذا القبول هو أن ذلك المجتمع بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى استفاق على كارثة انهيار وتدمير العديد من المباني والبيوت الجميلة التي كان الأوروبيون يحتفون بها، ومن هنا بدأت الحاجة إلى عمارة
جديدة عمارة حديثة بأفكار بسيطة يمكن أن تبنى سريعًا بأعداد كبيرة.
في ألمانيا على وجه التحديد كانت هناك حاجة إلى تلك المباني البسيطة سهلة التنفيذ والعملية من الداخل.
وسوف أركز في هذا الموضوع على العمارة الداخلية (الداخل الأنيق والعملي)، وسوف أجعل من نقطة ظهور مدرسة “الباوهاوس” الألمانية عام 1919، التي كان منبعها حركة فنية ظهرت بهولندا اسمها “الدي ستايل” de Stijl، أساسًا لشرح ماهية الذوق الحديث وارتباطه بالثورات الثورة على الملوك والطبقة الأرستقراطية.
لقطة لبيت الراقصة في فيلم رد قلبي
لقطة من فيلم رد قلبي لبيت الأميرة إنجي
العمارة الحديثة والفكر الاشتراكي
وإذا لخصنا حركة الدي ستايل في لوحة فسوف تكون إحدى لوحات بيت موندريان؛ وهي عبارة عن مستطيلات ومربعات بالألوان الأساسية (الأحمر، الأزرق، الأصفر). ذلك المبدأ، وهو استخدام الشكل الهندسي البسيط والألوان الأساسية، جعلته مدرسة الباوهاوس أحد منطلقاتها.
لكن ما يميز مدرسة الباوهاوس عن حركة الدي ستايل هو جمعها لشتى الفنون من الحرف اليدوية إلى المسرح كمواد تُدرس بمنهج وضعه أساتذة المدرسة.
بالتأكيد لم يكن تقبل المجتمع الألماني
لشكل البيت الجديد والأثاث الجديد الخالي من الزخارف تقبلاً سلسًا وسريعًا؛ فقد تلقى تلاميذ وأساتذة المدرسة نقدًا لاذعًا من الجمهور الألماني عام 1923 في أول معرض افتتحته المدرسة لعرض أعمال طلابها وأساتذتها.
ومع طرد اليهود من ألمانيا وإغلاق المدرسة عام 1933 (إذ ضمت العديد من التلاميذ والأساتذة اليهود مثل موهلي ناجي وغيره) بدأ رواد المدرسة في الهجرة إلى بلدان أخرى حيث بدأت أفكارهم في الانتشار.
لكن ما دخل مصر بكل هذا؟
لم تكن مصر بمعزل عن حركات الفن العالمية، ليس فقط بمعرفتها بالحركات
الفنية المختلفة، بل بممارسات الفنانين المصريين وانتمائهم لمدراس وحركات فنية عدة، ومن ذلك صلة بعض الفنانين المصريين ممن أسسوا حركة السوريالية المصرية بالحركة السوريالية العالمية بقيادة الشاعر أندريه بروتون والمعارض التي أقاموها وسمحوا للخيال المصري بالتشابك مع فكرة عالمية تتبنى الخروج من حيز الثنائيات الضدية وتعطى حيزًا للعقل لسبر أغوار الخيال.
ومع حلول نهاية الثلاثينيات كانت بالفعل قد بدأت حركة نقد الطرز القديمة وتأييد العمارة الحديثة في مصر على يد المعماري سيد كريم.
فقد درَّس سيد كرم العمارة لطلاب