يوسف شاهين ومعركة المخرج المؤلف

 قتل النجوم والعنف اللازم لخلق الذات

يوسف شاهين ومعركة المخرج المؤلف

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

بين تحطيم بوابات السينما في "باب الحديد" وتتويجه في "كان"، خاض يوسف شاهين معركة شرسة لإعادة صياغة ذاته. فلم يصبح مجرد مخرج، بل ديكتاتورًا جماليًّا أزاح هيمنة النجم ليضع "الرؤية" في الصدارة.

ربما يكون فيلم باب الحديد ١٩٥٨ هو أحد أكثر الأفلام المصرية التي وثق تاريخها شفهيًّا. فهو فيلم جاذب للأساطير والشهادات، ويؤرخ له جزئيًّا من خلال ردة فعل الجماهير وقت عرضه، يصرح جابي خوري مثلاً أن الفيلم عرض لمدة لم تزد عن ثلاثة أيام في السينما، ويتداول على لسان الكثيرين حكايات عن تحطيم الجماهير للبوابات في أثناء العرض أو إلقاء أشياء على الشاشة اعتراضًا وحنقًا على مستوى الفيلم، يحكي تسلسل التاريخ الشفاهي عن غضب الجمهور لأنه خدع، ولم يشاهد فيلمًا من بطولة فريد شوقي كما يظهر في الملصق الرسمي، بل وجدوا

فيلمًا كئيبًا عن بائع جرائد أعرج واقع في الحب دون أمل، ويبطن ميول عنيفة تجاه جنس النساء بأكمله، دون مشهد قتال أو انتصار تطهيري.
يؤرخ باب الحديد لنقلة صادمة توضح ارتباط جماهيرية الأفلام بنجوم السينما. ويعيد موضعة النجوم، ومن خلاله تتفكك تقاليد وتخلق أخرى. وأحد أهم تلك التقاليد التي ستستمر حتى يومنا هذا هو المخرج المصري كمؤلف Auteur، ويوسف شاهين تحديدًا كصورة نمطية للمخرج السينمائي المؤلف.
تنبع قيمة شاهين ومكانته عند السينمائيين ومحبي السينما من صياغته

حاول يوسف شاهين من البداية الانفصال باسمه عن أي موجات أو جماعات أخرى، ليصبح اسمه منفردًا تمامًا، خالقًا أسلوبه المميز

 الحريصة لصورته وممارسته كمخرج مسيطر على أفلامه، مواجهًا ومتحديًا كل من الجمهور والجهات الإنتاجية ونجوم السينما، فهو مخرج مزعج ومتطلب وصارم، وفيه كل الصفات التي يتوازى وجودها نمطيًّا مع مخرج عظيم، يهاجمه نجوم السينما والممثلون بسبب فرضه رأيه أو تصرفاته العنيفة لفظيًّا في مواقع التصوير، وتصاحب أفلامه سمعة جماهيرية عامة أنها معقدة وغرائبية وعصية على الفهم.
يمكن التأريخ بباب الحديد كمحاولة أولى جدية من يوسف شاهين لخلق مكانته ومكانه كمؤلف منفرد لأفلامه، ولكي يفعل ذلك تطلب الأمر نوعًا من

العنف، يتضمن خداع الجمهور وتحييد مفهوم الممثل والنجم السينمائي.
"مفيش حاجة اسمها نجوم يا جدعان" يوسف شاهين في لقاء مع طارق حبيب- برنامج من الألف إلى الياء ١٩٨٨
في اللحظة الحالية تكرس مفهوم المخرج المؤلف كطريقة أساسية في التعاطي مع الأفلام وتحليلها. ترجع نظرية المؤلف رؤية الفيلم الإبداعية إلى شخص المخرج ليصبح مثل الكاتب/ المؤلف أو أي فنان آخر يرتبط العمل باسمه. وبزغت النظرية في أواخر الخمسينيات مع نقاد الموجة الفرنسية وكراسات السينما، واشتهرت ونظَّر لها النقاد الأمريكيون 

دخل الجمهور "باب الحديد" ليرى فريد شوقي بطل الترسو، فوجد قناوي وهنومة، وخرج يشعر بالخديعة -أرشيف مدينة الرقمي

دخل الجمهور "باب الحديد" ليرى فريد شوقي بطل الترسو، فوجد قناوي وهنومة، وخرج يشعر بالخديعة -أرشيف مدينة الرقمي

في أوائل الستينيات، وانتقدت في الوقت نفسه من آخرين لأنها تفكك طبيعة السينما الجماعية والتجارية، وترجع عناصرها الإبداعية المتشابكة إلى رؤية فرد واحد. لكن النظرية صمدت على أي حال كطريقة أولية في التعاطي مع تاريخ السينما وحاضرها حتى ذابت كأداة وأصبحت جزءًا من الوعي الجمعي السينمائي.
ربما تكثفت تلك الرؤية في مصر مع ما أسماه سمير فريد موجة "الواقعية الجديدة"، التي انسحبت على أفلام الموجة، وتحديدًا على أنها أفلام محمد خان وعاطف الطيب وخيري بشارة وداود عبد السيد وغيرهم، لكنها 

بقوة في سياقات نوادي السينما المصرية، والكتابات النقدية المنفتحة على الثقافة السينمائية العالمية منذ أواخر الستينيات، فاستُدعي مخرجون سابقون مثل صلاح أبو سيف، وكمال الشيخ، وهنري بركات، وفككت أساليبهم الفردية ليكونوا جزءًا من تقليد سينما المؤلف بشكل استعادي. ويمكن موضعة يوسف شاهين في إطار ذلك التقليد من الثقافة السينمائية الخاصة، لأنه صاغ ذاته كمخرج مؤلف وحاول من البداية الانفصال باسمه عن أي موجات أو جماعات أخرى، ليصبح اسمه منفردًا تمامًا ومدِللاً فقط على ذاته وأعماله، خالقًا أسلوبه المميز، وسعى للوصول إلى

درجة من التحكم والسيطرة الإبداعية تعادي بعنف تقاليد النجومية السينمائية والسينما الكلاسيكية، بل وتفضيلات الجمهور نفسه.
بعد فشل "باب الحديد" جماهيريًّا، أخرج شاهين أربعة أفلام هي "حب إلى الأبد" ١٩٥٩، و"بين إيديك" ١٩٦٠، و"رجل في حياتي" ١٩٦١، و"نداء العشاق" ١٩٦١. وهو يتحدث عن تلك الأفلام بانزعاج شديد، ويكاد لا يعترف بوجودها من الأساس،  وهو الذي عادة ما يتولى مسؤولية أفلامه كلها؛ المحبوب منها والمكروه.
وبعد محاولاته لإعادة خلق نفسه كمخرج مؤلف بباب الحديد، قضى فترة

اقرأ أيضاً

 المدينة والمنفى بعد ٢٣ سنة فى الأسر

 المدينة والمنفى بعد ٢٣ سنة فى الأسر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦