لحظة ظهور «أسوار» المدينة

تمهيد أولي حول فينومينولوجيا المدينة 4

لحظة ظهور «أسوار» المدينة

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

ينظر التمثيل إذن إلى لحظة ظهور المدينة ليس فقط كحضور لحيز مغلق على ذاته وآخذ في الامتلاء، بل أيضًا بوصفها ما يدشن ويلوح بإمكانية التأطير الكامل!

رحلة ظهور المدينة
حتى هذه اللحظة التي وصلنا إليها في رحلتنا، فإن المدينة لم تبدأ بالظهور بعد، ولكن عند هذه النقطة ينبغي التمييز بين مستويين لظهور المدينة، أولهما لا يتضمن سوى مجرد تكاثر أو انتشار ما هو معماري وتكاثف الطرق التي تربط بين كتله، مع بعض التغاير والتطور التاريخي في وظائفه وأنماطه وتشكيلاته، وتلك هي المدينة المتعينة التي يمكننا تحديد لحظة ظهورها بدقة بالرجوع إلى سجلها التاريخي، أما اللحظة الأخرى، أو المستوى الآخر لظهور المدينة والذي يعنينا هنا فهو لا يطرح نفسه إلا مع تحول المعمار من جاهزية “تتيح” تنمية

مجال الحضور لصالح الفعل الإنساني، إلى مؤسسة تتيح وتمنع هذا الحضور في الوقت نفسه. ولو أننا حاولنا أن نرصد لحظة هذا التحول فسنجد أنها تتطابق مع لحظة ظهور “سور المدينة”، أي تلك الكتلة المصمتة التي تستطيع أن تطوق بداخلها حياة كاملة لم تعد ترغب فيما هو خارجها، ولا تنظر إليه إلا بوصفه استثناءً في طريقه إلى الزوال، ومع ظهور “السور” تكاد المدينة تتحول إلى رحم جماعي كبير. قُرئت الجاهزية التي يمثلها سور المدينة دائمًا بوصفها أمرًا يعود إلى الشأن العسكري والإستراتيجي، ولكن ما هو أكثر أهمية في هذا الصدد هو ذلك التوقيع الذي تسجله هذه 

قُرئت الجاهزية التي يمثلها سور المدينة دائمًا بوصفها أمرًا يعود إلى الشأن العسكري والإستراتيجي..

الجاهزية، أي التوقيع على وثيقة تؤشر لبداية وعي المدينة بنفسها ككيان موحد يتأسس في مقابل العالم الخارجي، وبوجودها المتمايز، الذي يدشن لبدء عملية متواصلة من الانسحاب عن العالم، ولظهور مفاجئ بقدر ما هو نهائي لذلك “الرحم الجماعي الجديد” الذي بات يحتضن البشر. ومنذ هذه اللحظة تبدأ المدينة في طرح نفسها بوصفها مشروعًا يسعى إلى الظهور وهو ما تفعله عبر تنميتها لمجال حضور يأخذ في الانتشار فيما يسعى أساسًا وقبل كل شيء إلى مقاومة تأجيله وعدم اكتماله. مرحلة حضور المدينة باعتبارها كيانًا مؤجلاً باستمرار ستستغرق على النطاق 

الزمني كل تلك الكيانات الحضرية الما قبل مدينية، كما أنها ستستغرق على مستوى المكان كل تلك الفراغات التي لم تؤطر ولم يُسيطر عليها بعد. وهو ما يعني أن المدينة منذ لحظة ظهورها الجنيني الخافت لم تكن تحمل ما هو أقل من تلك الرغبة العارمة في استبدال العالم وإزاحة فراغه مرة وإلى الأبد، أي أنها تطابقت منذ البداية مع الرهان الإستراتيجي للتمثيل ومع مشروعه الخاص بنفي الفراغ على نحو نهائي. ينظر التمثيل إذن إلى لحظة ظهور المدينة ليس فقط كحضور لحيز مغلق على ذاته وآخذ في الامتلاء، بل أيضًا بوصفها ما يدشن ويلوح بإمكانية

التأطير الكامل لذلك الميدان الذي لا زالت ألعاب القوى تهيمن عليه، أي الفراغ المكاني، فما دام هذا الفراغ هو “القلعة الأساسية” التي يحتمي بها لعب القوى، فإن حصارها يعني حصار كل ما يمكن أن يظهر عبر لعب القوى واختلافاتها، أي أننا هنا أمام التمثيل وهو يستكمل رهانه ومغامرته في أن يجعل من نفسه بديلاً ومكافئًا لما أتاح وجوده ومنحه حياته، بإجباره على أن يتموضع في فراغه الداخلي بحيث يصبح فضاء التمثيل وحده هو ساحة الظهور لكل صراعات القوى، وهكذا فمع تدشين المدينة كمشروع مؤجل على هذا النحو يبدأ التمثيل للمرة الأولى في 

ينظر التمثيل إلى لحظة ظهور المدينة ليس فقط كحضور لحيز مغلق على ذاته وآخذ في الامتلاء..

تعاطي إستراتيجية هجومية ضد عالم القوى، إن التمثيل هنا يتخطى دور المنافس والبديل الذي منحه لنفسه من قبل لينصب ذاته بوصفه خصمًا مكافئًا في معركة شرسة.
مع لحظة ظهور سور المدينة إذن ستبدأ جاهزيات الحكاية/المعمار في السيطرة على ذلك الفراغ الذي أطر بمواصلة التمدد والانتشار تجاه الفراغات البينية للكيانات المعمارية، ليبدأ فضاء المدينة في الظهور على نحو مؤسسي يجمع في نطاقه دائرة تتسع باستمرار نحو الفراغ الذي يحتجز ويقتطع من العالم، إنها لحظة استعادة المدينة لذاكرة الكتلة المصمتة التي تحاول فصل نفسها عما 

هو خارجها وتمنع أي تسرب لامتلائها الداخلي. منذ البداية، طرحنا فرضية أن عنصري المعمار والحكاية كافيين بذاتهما لتحليل ووصف مسار إنتاج ظاهرة المدينة، وها نحن نصل إلى ذلك التكوين المعماري/الحكائي، والذي سيبدأ منذ الآن في التحول من مجرد جاهزية، إلى مؤسسة تسعى إلى السيطرة على فضاء المدينة عبر إتاحتها لفئات وأنماط معينة من الفعل والحركة، ومنع ما سواها، بحيث تحول هذا الفضاء إلى محفز للحركة من جهة، وقامع لها من جهة أخرى، وهو ما شكَّل أساس ظهور كل مؤسسات السلطة التي طورتها المدينة، فعبر هذا الحضور المؤسسي

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية