انتبه.. أنت مراقب ممن في أياديهم السلطة لمراقبتك.. ومراقب بإرادتك الحرة، وتحاول عبثًا أن تحمي نفسك وخصوصياتك!
“عزيزي المواطن انتبه.. الأخ الكبير يراقبك”!
هل انتبهت؟ بالتأكيد ستحاول.. ولكن حتى لو انتبهت فهل ستتمكن من الإفلات؟ يمكن الاستجابة لهذه النصيحة بلا تردد، فلو أنك علمت أن أحدًا يراقبك هل ستلتزم بالسلوك القويم؟! غالبًا لا، لكن من يراقبك لن يتركك هكذا.. لقد تطورت الأمور كثيرًا الآن، أنت مراقب ممن في أياديهم السلطة لمراقبتك.. ومراقب بإرادتك الحرة، مع أنك تحاول عبثًا أن تحمي نفسك وخصوصياتك، لكنك في الوقت نفسه تقع يوميًّا في فخ الإفصاح عن أسرارك الشخصية الدقيقة جدًا.
في يونيو 2020، أعلنت السلطات الروسية عن أن أكثر من 43 ألف مدرسة في جميع أنحاء روسيا ستُجَهز بنظام يسمى نظام “أورويل”، وهو نظام مهمته التعرف على الوجوه، والهدف بالطبع مراقبة تحركات التلاميذ طول فترة وجودهم في المدرسة.. “أورويل” هو جورج أورويل؛ الكاتب الإنجليزي الشهير، صاحب رواية “1984”.
أما المبرر فموجود، كما هو العادة في خطاب كل السلطات، التي تفرض إراداتها الدائمة “الحماية”، ولسان حالها أنها تنفق ملايين الجنيهات(الدولارات/اليوروات) كي أراقبك، هذا صحيح فعلاً..
لكن ليس بهدف أن تسيطر عليك، بل لتحميك، ولو كانت شقيًّا فاسدًا، فعلي أن أحمي الآخرين من شرورك..
وهذا ما يطرحه المقال، وهو فصل من كتاب “السياسة النفسية: النيوليبرالية والتقنيات الجديدة للقوة” للفيلسوف الكوري الأصل بيونج-شول هان، الذي يعيش في أوروبا حاليًا، الذي يرى أن ما نعيشه اليوم هو حالة من العبودية بالتراضي!
مدينة
الأخ الكبير الودود: عصر العبودية بالتراضي
“اللغة الجديدة” هو الاسم الذي يُطلق على اللغة المثالية في دولة المراقبة التي
ابتدعها جورج أورويل. والغرض منها أن تحل محل “اللغة القديمة” بالكامل”، وتجتث “اللغة القديمة” من جذورها. فاللغة الجديدة لها هدف واحد فقط، وهو تقليص المساحة المتاحة للتفكير الحر؛ إذ يتناقص عدد الكلمات في كل عام، وينكمش حيز التفكير الواعي.. يهذي سيم، صديق وينستون، بطل رواية “1984”، بكلمات مهتاجة عما يتسم به تدمير الكلمات من جمال. فيقول بحماسة شديدة “ستصبح جرائم الفكر مستحيلة حين تُحذف من القاموس الكلمات اللازمة لاقترافها” ومعها، ستُلغى أيضًا فكرة الحرية. من هذه الناحية، تختلف دولة المراقبة
تختلف دولة المراقبة لدى أورويل اختلافًا جوهريًّا عن عالم البانوبتيكون (برج المراقبة) الرقمي، الذي يستخدم الحرية بإفراط. فما يميز مجتمع المعلومات الذي نعيش فيه اليوم، ليس تدمير الكلمات، بل مضاعفتها إلى مالا نهاية. يغلب على رواية أورويل روح الحرب الباردة وطابع السلب المميز للعداء والخصومة؛ إذ يعيش البلد الذي تصفه الرواية في حالة حرب دائمة، وتخمن جوليا، حبيبة وينستون، أن القنابل التي تنهمر فوق لندن كل يوم يطلقها الأخ الكبير والحزب بهدف إبقاء الأهالي في حالة دائمة من الخوف والرعب.
و”عدو الشعب” اسمه إيمانويل جولدشتاين، ويتزعم شبكة من المتآمرين يعملون في الخفاء من أجل الإطاحة بالحكومة القائمة. ومن ثَم، يخوض الأخ الكبير حربًا آيديولوجية ضد جولدشتاين، حين يشن برنامج “دقيقتان للكراهية”، الذي يذاع يوميًّا على شاشة تليفزيون ضخمة، هجمات شعواء عليه. وفي وزارة الحقيقة –التي هي في الواقع، وزارة الأكاذيب- تُعدل أحداث الماضي بما يتفق مع الآيديولوجيا السائدة. وتستخدم دولة المراقبة لدى أورويل، تقنيات نفسية لغسيل المخ مثل الصدمات الكهربائية، والحرمان من النوم، والحبس الانفرادي، والعقاقير
والتعذيب البدني. وتحرص “وزارة الوفرة” (“وزاوفرة” كما تُسمى في اللغة الجديدة) على وجود نقص دائم في السلع الاستهلاكية، من أجل الإبقاء على حالة عوز مصطنعة.
تختلف دولة المراقبة لدى أورويل، بما فيها من شاشات ضخمة، وغرف تعذيب، اختلافًا جوهريًا عن البانوبتيكون الرقمي في يومنا هذا، حيث شبكة الإنترنت، الهواتف الذكية، وجوجل بلاس حيث يسود وهم الحرية والتواصل بلا حدود.
فهنا، لا وجود للتعذيب –لا يوجد سوى تغريدات ومنشورات. ولا وجود أيضًا لـ”وزارة حقيقة” غامضة.