المعلم عاشور الناجي للكتب المستعملة

مونولوج ليس للغناء

المعلم عاشور الناجي للكتب المستعملة

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

كثيرًا ما يحدث، أن أسأل نفسي، لماذا أعيش؟ ولماذا نعيش جميعًا؟! سؤال ساذج ومخزٍ. لماذا يموت صديق وأبقى أنا؟!

سدد سيفك
ليكن قدرك أن تفي بالعهد
وليكن قلبك حاضرًا
متأهبًا
ولو يضربك الآن شعور
بالتناوب بين الخدر
والألم المبرح.
هكذا سمع في محادثة يجريها مع شبح من بداية الطريق، توقف واقترب من الرجل الذي هناك، يجلس جوار مكتب متواضع، وأمامه تصطف الكتب والصحف.  في المنتصف كومة كبيرة لأعداد اليوم من كل الصحف المحلية والعالمية، وعلى الجانبين رفوف من الكتب اللامعة، لنظافتها، ونباهة عقول 

مؤلفيها، ثم في الداخل لم يكن المكان يتسع لأكثر من شخص واحد أو اثنين على الأكثر إلى جوار المكتب، وجوار الشيشة التي تقبع في تواضع، في انتظارها الطوعي منذ الأزل أن تشتعل مُطلقةً أنفاسها المشعشة للهواء الطلق، فتطرد تثاؤب من يُقبل ثغرها.
نظرتُ إليه مبتسمًا، ومتحفزًا، وقد انتبهت لتساؤل داخلي، كيف يكون هو بائع الصحف وله ما له من شهرة عالمية؟
ألن يكون في هذه البلاد عدل أبدًا؟ حينها نهض يستقبلني بلطف، وبابتسامة ودود
قال: اتفضل!

كنت أتكلم والفرحة ترتسم على وجهي وابتسامة بلهاء تتسع حتى أذنَي!

 قلتُ: مساء الخير يا أستاذ، إزي حضرتك؟ مبسوط إني شوفتك!
كنت أتكلم والفرحة ترتسم على وجهي وابتسامة بلهاء تتسع حتى أذنيّ. صافحني بحرارة بالغة خارجًا إليَّ من مجاورة المكتب إلى تصفح الكتب على الرصيف المجاور، يسأل ماذا تريد من صحف اليوم؟ اخترت عدد اليوم من صحيفة قومية تصدرها الحكومة للتعريف بمواد دستورية جديدة وتناقش فيها القوانين والتشريعات التي تقيد من سلطات رئيس الجمهورية، وتنظم عمل المؤسسات بما يضمن تحقيق العدالة ونفاذ القانون ومُضيه كسيف كاسر على رقاب الجميع.

وإذ هناك بعض المواضيع أنتظر معرفة تفاصيلها. سألت: بخمسة جنيه ولا أكتر؟
رد بضحكة مستنكرة: لا يا حضرة، بقت بسبعة!
ناولته ما تبقى من مال معي، أي عشرة جنيهات، فرد إليَّ ثلاثة. في الحقيقة لم أكن أبحث عن الأخبار ولا غيره، لكن حين رأيت أنه من يبيع الصحف، قلت لن يشعر بي مثل هذا الرجل، صحيح أن هناك فارقًا كبيرًا بيننا؛ هو كاتب كبير، وأنا فقط ألعب، لكن الحالة التي مضى إليها بعد كل هذا النجاح الذي حققه في عالم الأدب، لا يرثى لها فحسب، بل تتنامى كنذير شؤم.

فإذا كان هذا حال أديب مصر الأول، كيف سأصبح أنا؟
أنا الذي قد يغرق في كتابة قصة واحدة وكأنني أعاني آلامًا شديدة!
ربما لن أنجح بما يكفي في الكتابة، وعليه لن أحصل على كشك للصحف أعيش مما يدره عليّ من مال قليل، وقد لا تنتهي بي قدرتي في الكتابة لأبعد من الصعلكة!
هكذا تقتضي النبوءة
القبول الطوعي للرحلة الثلجية
هكذا أخبرت العرافة كل من صادفت
في ليلة اكتمل فيها القمر الأحمر
وقبل أن تودع القتيل
مدفونًا في مقبرة جماعية.

هكذا تقتضي النبوءة القبول الطوعي للرحلة الثلجية..

هكذا مثل صوت يتردد صداه، حتى شعر الرجل بأن شيئًا يدور في نفسي، فاقترب بود، ولم تفارق وجهه تلك الابتسامة الحنون، المُحبة.
كان يرتدي نظارة سوداء، وبدلة صيفية، رمادية اللون، وكرافتة أنيقة. وفي وسط اليأس الذي أحاطني حول ما أبحث عنه، لم يكن بد من السؤال وبلوغ الطريق إلى منتهاه، فسألته: حضرتك تقدر توفر عدد الجمعة اللي فاتت من جورنال الجمهورية؟
اندهش ونظر إليَّ باهتمام وهو يقطب حاجبيه قليلًا خلف نظارته: لا أخفيك سرًا، صعب.. أنت عارف الجمهورية بيخلص بسرعة.. وفات أسبوع كامل، 

لكن أحاول، متقلقش!
وكي أعطيه فكرة أني أفهم شيئًا عن هذه الصناعة، أخبرته أنه في إمكانه أن يسأل الرجل الذي يأتي بالأعداد الجديدة كل صباح، ربما يستطيع أن يوفر نسخة وحيدة، بالأخص أنه كان يوم عيد، وربما لم يشترِ أحد صحف ذلك اليوم، وعادت كلها إلى المخازن والأرشيف. ابتسم ثانية وارتاحت قسمات وجهه وتبدل امتعاضه تساؤلاً مندهشًا، من معرفتي بتفاصيل صناعة الصحف ودورة حياتها، أو هذا ما بدا من حديثه إليَّ، ولعله أخفى بلطفه المعتاد، تعجبه من غبائي وتصنعي ليس إلا، ولكن حفاظًا على الدور الذي خضت غماره للتو، رحت 

اقرأ أيضاً

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب

ذئاب تعوي في رأسي

ذئاب تعوي في رأسي

البيرة: ابنة الماء والقمح

البيرة: ابنة الماء والقمح