من يقرر ما هو "نظيف" و"لائق" و"مبتذل" في الغناء الشعبي؟ وهل عبور الشعبي إلى فضاءات النخبة يعني كسر الحدود الاجتماعية أم إعادة إنتاجها بصيغ جديدة؟ وهل يمكن للموسيقى أن تعبر الطبقات دون أن تفقد معناها؟
في نهاية صيف طويل حار من العمل الميداني في القاهرة، وأنا أجري أبحاثًا حول نمط من الموسيقى المصرية يسمى الشعبي، حالفني الحظ بالعثور على عمل كعازفة كمان مع العديد من الفرق الموسيقية، لكنني بدأت أشعر بالإرهاق من العروض المتكررة طول الليل في الملاهي الليلية وأفراح الشوارع على أطراف المدينة، والمشاوير الشاقة في وسائل النقل العام التي أركبها للوصول إلى مقاصدي. وعندما دعاني صديق من خارج المشهد الشعبي، ليلة عطلة نادرة، لحفلة في منزله، شعرت بالإثارة لتغيير وتيرة العمل.
يعمل الصديق في الأمم المتحدة وينجح دائمًا في جمع حشد ظريف من المصريين والأجانب، معظمهم صحفيين أو يعملون في منظمات دولية غير حكومية NGOS، في شقته الفسيحة بحي جاردن سيتي الراقي.
كانت العمارة خالية من رقابة البواب أو الجيران المتطفلين، لذلك لم تكن التجمعات الكبيرة من الجنسين مشكلة، على عكس مناطق أخرى في المدينة. في الحفلة، وبعد ساعات من الأكل والشرب والدردشة، أعلنت ضيفة اسمها رضوى أنها تريد الرقص، وأوقفت موسيقى الچاز الهادئة المنطلقة من اللابتوب،
وشغلت أغنية للمغني الشعبي حكيم. تحدثت مع رضوى في وقت سابق من الأمسية عن اهتمامي بالموسيقى الشعبية، وأني، كجزء من بحثي، كنت أعزف في أفراح الشوارع، فاندهشت. في مصر، تشتهر الموسيقى الشعبية بأنها هابطة إلى حد ما، تستمع إليها الطبقات الدنيا، أو كما قالت، ليست شيئًا يستمع إليه "أناس مثلنا" (متعلمون، عصريون). لكنها عندما نهضت للرقص، التفتت إلَي معترفة: "يوجد بعض الشعبي الجيد، أحب هذا النوع من الموسيقى". ثم أوضحت بالعربية: "شعبي نضيف يعني".
أصبح هذا النوع من التحول مألوفًا بالنسبة لي: فالناس من جميع الطبقات، وبخاصة من ينتمون إلى الطبقة المتوسطة العليا، يعبرون عن اشمئزازهم من الموسيقى الشعبية وثقافة الطبقة الدنيا المرتبطة بها، قبل أن يعترفوا بأنهم في الواقع يحبون بعضها، لكن فقط "الشعبي اللائق" (النظيف) أو "المقبول". وهما ليسا نوعين فرعيين منفصلين، بل تسميات مرنة تُعطى لمغنين أو أغنيات معينة بناءً على مجموعة معطيات تشمل الصورة
والأسلوب الموسيقي والمحتوى الغنائي. استنادًا إلى ٢١ شهرًا من العمل الميداني
صوفي فرانكفورد تعزف في فرح في الوراق، القاهرة ٢٠١٨
الإثنوجرافي (٢٠١٨- ٢٠٢٠) في استوديوهات التسجيل والملاهي الليلية وأفراح الشوارع التي تشكِّل مشهد الموسيقى الشعبية في القاهرة، تبحث هذه المقالة كيفية إنتاج وتوزيع الموسيقى الشعبية السائدة التي تبث على نطاق واسع وناجحة تجاريًّا وتعتبر "مقبولة". أستكشف كيف يحاول ثلاثة وسطاء ثقافيين مختلفين من القطاع الخاص تنظيف الشعبي بطرق مميزة، وتطهيره بنشاط لأسباب تجارية وجمالية وآيديولوچية. يُظهر النجاح الذي لا يمكن إنكاره للشعبي النظيف عبر الانقسامات الاجتماعية والثقافية
الطبقية أن الشعبي ليس، ولم يكن قط، موسيقى مبتذلة تخص الطبقات الدنيا. فطالما أُنتج تجاريًّا، وكان له جمهور واسع؛ إذ يجمع جمهورًا متنوعًا يتجاوز التشكيلات الاجتماعية القائمة مسبقًا. إن ما يعتبر "راقيًا" أو "مبتذلًا" (وكذلك "نظيفًا" أو العكس، "قذرًا") في حالة تغير مستمر، وباستمرار تتغير الأساليب بناءً على طيف الذوق، وهي عملية يشكلها وسطاء ثقافيون من القطاع الخاص بقدر ما تشكلها الدولة.
بدايةً، قد يكون مُغريًا قراءة تبني الطبقة المتوسطة العليا للموسيقى الشعبية النظيفة على أنها إشارة إلى
عبور ناجح للانقسامات الطبقية الثقافية. لكن الأمر كما سيتضح، ليس بهذه البساطة: في كل السياقات التي أصفها أدناه، تؤدي محاولات تنظيف الموسيقى الشعبية إلى تجاوز الحدود أحيانًا، وتعزيزها أحيانًا أخرى. وتؤدي إلى عبور الحدود وتكريسها في الوقت نفسه، وأزعم أن الوسطاء الثقافيين الذين أناقشهم هنا يشاركون فيما يسميه چاك رانسيير "تقسيم المحسوس". وهو يشرح ذلك على النحو التالي: "أقصد بتقسيم المحسوس الحقائق الواضحة للإدراك الحسي التي تكشف في الوقت نفسه عن وجود شيء