من يقرر ما هو "نظيف" و"لائق" و"مبتذل" في الغناء الشعبي؟ وهل عبور الشعبي إلى فضاءات النخبة يعني كسر الحدود الاجتماعية أم إعادة إنتاجها بصيغ جديدة؟ وهل يمكن للموسيقى أن تعبر الطبقات دون أن تفقد معناها؟
في نهاية صيف طويل حار من العمل الميداني في القاهرة، وأنا أجري أبحاثًا حول نمط من الموسيقى المصرية يسمى الشعبي، حالفني الحظ بالعثور على عمل كعازفة كمان مع العديد من الفرق الموسيقية، لكنني بدأت أشعر بالإرهاق من العروض المتكررة طول الليل في الملاهي الليلية وأفراح الشوارع على أطراف المدينة، والمشاوير الشاقة في وسائل النقل العام التي أركبها للوصول إلى مقاصدي. وعندما دعاني صديق من خارج المشهد الشعبي، ليلة عطلة نادرة، لحفلة في منزله، شعرت بالإثارة لتغيير وتيرة العمل.
يعمل الصديق في الأمم المتحدة وينجح دائمًا في جمع حشد ظريف من المصريين والأجانب، معظمهم صحفيين أو يعملون في منظمات دولية غير حكومية NGOS، في شقته الفسيحة بحي جاردن سيتي الراقي.
كانت العمارة خالية من رقابة البواب أو الجيران المتطفلين، لذلك لم تكن التجمعات الكبيرة من الجنسين مشكلة، على عكس مناطق أخرى في المدينة. في الحفلة، وبعد ساعات من الأكل والشرب والدردشة، أعلنت ضيفة اسمها رضوى أنها تريد الرقص، وأوقفت موسيقى الچاز الهادئة المنطلقة من اللابتوب،
وشغلت أغنية للمغني الشعبي حكيم. تحدثت مع رضوى في وقت سابق من الأمسية عن اهتمامي بالموسيقى الشعبية، وأني، كجزء من بحثي، كنت أعزف في أفراح الشوارع، فاندهشت. في مصر، تشتهر الموسيقى الشعبية بأنها هابطة إلى حد ما، تستمع إليها الطبقات الدنيا، أو كما قالت، ليست شيئًا يستمع إليه "أناس مثلنا" (متعلمون، عصريون). لكنها عندما نهضت للرقص، التفتت إلَي معترفة: "يوجد بعض الشعبي الجيد، أحب هذا النوع من الموسيقى". ثم أوضحت بالعربية: "شعبي نضيف يعني".
أصبح هذا النوع من التحول مألوفًا بالنسبة لي: فالناس من جميع الطبقات، وبخاصة من ينتمون إلى الطبقة المتوسطة العليا، يعبرون عن اشمئزازهم من الموسيقى الشعبية وثقافة الطبقة الدنيا المرتبطة بها، قبل أن يعترفوا بأنهم في الواقع يحبون بعضها، لكن فقط "الشعبي اللائق" (النظيف) أو "المقبول". وهما ليسا نوعين فرعيين منفصلين، بل تسميات مرنة تُعطى لمغنين أو أغنيات معينة بناءً على مجموعة معطيات تشمل الصورة
والأسلوب الموسيقي والمحتوى الغنائي. استنادًا إلى ٢١ شهرًا من العمل الميداني
صوفي فرانكفورد تعزف في فرح في الوراق، القاهرة ٢٠١٨
الإثنوجرافي (٢٠١٨- ٢٠٢٠) في استوديوهات التسجيل والملاهي الليلية وأفراح الشوارع التي تشكِّل مشهد الموسيقى الشعبية في القاهرة، تبحث هذه المقالة كيفية إنتاج وتوزيع الموسيقى الشعبية السائدة التي تبث على نطاق واسع وناجحة تجاريًّا وتعتبر "مقبولة". أستكشف كيف يحاول ثلاثة وسطاء ثقافيين مختلفين من القطاع الخاص تنظيف الشعبي بطرق مميزة، وتطهيره بنشاط لأسباب تجارية وجمالية وآيديولوچية. يُظهر النجاح الذي لا يمكن إنكاره للشعبي النظيف عبر الانقسامات الاجتماعية والثقافية
الطبقية أن الشعبي ليس، ولم يكن قط، موسيقى مبتذلة تخص الطبقات الدنيا. فطالما أُنتج تجاريًّا، وكان له جمهور واسع؛ إذ يجمع جمهورًا متنوعًا يتجاوز التشكيلات الاجتماعية القائمة مسبقًا. إن ما يعتبر "راقيًا" أو "مبتذلًا" (وكذلك "نظيفًا" أو العكس، "قذرًا") في حالة تغير مستمر، وباستمرار تتغير الأساليب بناءً على طيف الذوق، وهي عملية يشكلها وسطاء ثقافيون من القطاع الخاص بقدر ما تشكلها الدولة.
بدايةً، قد يكون مُغريًا قراءة تبني الطبقة المتوسطة العليا للموسيقى الشعبية النظيفة على أنها إشارة إلى
عبور ناجح للانقسامات الطبقية الثقافية. لكن الأمر كما سيتضح، ليس بهذه البساطة: في كل السياقات التي أصفها أدناه، تؤدي محاولات تنظيف الموسيقى الشعبية إلى تجاوز الحدود أحيانًا، وتعزيزها أحيانًا أخرى. وتؤدي إلى عبور الحدود وتكريسها في الوقت نفسه، وأزعم أن الوسطاء الثقافيين الذين أناقشهم هنا يشاركون فيما يسميه چاك رانسيير "تقسيم المحسوس". وهو يشرح ذلك على النحو التالي: "أقصد بتقسيم المحسوس الحقائق الواضحة للإدراك الحسي التي تكشف في الوقت نفسه عن وجود شيء
مشترك والحدود الداخلية التي تحدد أجزاءه ومواقفه". وهو يعني بـ "المحسوس" ما هو مرئي أو غير مرئي، وما يمكن قوله أو لا يمكن قوله داخل أي تشكيل اجتماعي معين؛ ومن ثم فإعادة تقسيم هذا "المحسوس" (وهي العملية التي يسميها التوافق)، يمكن أن تؤدي إلى (حس) مشترك جديد.
ومن المهم أن نلاحظ أن كل من الإدماج والاستبعاد متأصلان في عملية إعادة التوزيع هذه: تفترض العملية قدرًا معينًا من المساواة بحيث يكون الجميع في الملعب نفسه، حتى لو كانت أوجه عدم المساواة جلية في الداخل.
يعيد الوسطاء الثقافيون الذين قدموا هنا تقسيم المحسوس بوضوح عبر الانقسامات الاجتماعية بطرق متنوعة وجزئية. فإذا عملوا ضمن تقسيم المحسوس الذي يحدد أصواتًا معينة على أنها "ضوضاء" وليس "موسيقى"، فسيتم استبعاد الموسيقى الشعبية. لكنهم بالتوسط في الموسيقى الشعبية وتسهيل تداولها على نطاق واسع عبر مساحات اجتماعية متنوعة، يساعدون على خلق مفاهيم جديدة لماهية الموسيقى الشعبية ولمن هي موجهة. بذلك يطالب هؤلاء الوسطاء الثقافيون بحق معين في مساحة، ويغيرون الحدود
صوفي والفرقة في فرح الشارع.. العياط، الجيزة، ٢٠١٨
العليا/ الدنيا، و"الشعب" و"النخبة"، ويخلقون مساحة يمكن فيها إدراك الواقع السياسي بشكل مختلف. مع ذلك، وكما سيتضح، لا يفيد هذا بالضرورة الموسيقيين أنفسهم: فالعمليات التي يحدث عبرها تطهير/ تنظيف موسيقاهم وتداولها، غالبًا ما تكون استغلالية، بل وتعمل على ترسيخ تفاوتات اجتماعية قائمة مسبقًا. وأنا في الواقع، أتفق مع چورچينا بورن التي ترى أن الوساطة الموسيقية تتعلق بالتفاوض على الاختلاف، وبما أن الفنانين ينخرطون في أنواع مختلفة من الوساطة فإنهم قادرون على "توليد
نماذج وممارسات جديدة للاختلاف والتوافق في الموسيقى"، على الرغم من عدم وجود ضمان بأن تكون هذه العلاقات المتبادلة الجديدة أكثر عدالة.
واهتمامًا بهذه القضايا، أعتمد على المنح الدراسية التي استكشفت دور الوسطاء الثقافيين في تشكيل الأذواق والوساطة بين الفنانين وجمهور استهلاكي متخيل أوسع نطاقًا، وغالبًا ما تتحول الأنماط الموسيقية والعلاقات الاجتماعية في هذه العملية. في حين تتعلق الكثير من هذه المنح الدراسية بالاختلاف العنصري، بالإشارة إلى ما يحدث عندما تُكيَّف الأنماط الموسيقية المرتبطة بالمجتمعات
السوداء عند الجمهور الأبيض، فإن السياق المصري يتطلب التركيز بشكل أكثر حدة على ديناميكيات الطبقة. وبينما ركزت الأدبيات الحديثة على الدور الوسيط للخوارزميات والذكاء الاصطناعي داخل خدمات البث الموسيقي، تُظهر هذه المقالة أن المشهد الموسيقي في مصر لا يزال إلى حد كبير يشكله أفراد مطلعون على الصناعة وعلاقات شخصية على أرض الواقع. ومثل هذه الملاحظات تصبح أوضح بالتركيز على الاهتمام الوثيق بالممارسات التي تدخل في إنتاج الموسيقى، وهو جانب يميل المختصون إلى إهماله لصالح
التركيز على جوانب خطابية أو غنائية لأنماط معينة وكيفية ارتباطها بالتكوينات الاجتماعية.
رتبت المقالة كسلسلة من ثلاث دراسات حالة، تركز كل منها على أساليب ودوافع نوع معين من الوسطاء الثقافيين. أولاً، أستكشف كيف يعمل مغنون ومنتجون موسيقيون يضعون أنفسهم خارج المشهد الشعبي بقوة على تنظيف الشعبي لأسباب تجارية وجمالية، مع التركيز على المحتوى الموسيقي والغنائي وطرق الأداء الخاصة. بعد ذلك، أدرس كيف نجح أفراد عائلة إنتاج الأفلام المعروفة؛ السبكي، في ريادة
الكليبات الشعبية ذات القيمة الإنتاجية العالية، وعبر ذلك يتضح أنهم رفعوا مستوى الموسيقى الشعبية وساعدوها على الوصول لجماهير وأماكن جديدة من النخبة.
وأخيرًا، أستكشف كيف ينظر الموسيقيون إلى مؤسسي قناة "شعبيات"، وهي قناة تلفزيونية فضائية مخصصة لإنتاج وبث الكليبات الشعبية، باعتبارهم شخصيات رئيسية في توزيع هذا النمط الموسيقي والنهوض بمستواه. وفي النهاية، أخلص إلى أنه في عملية التوسط وتسهيل تداول الشعبي، يربط هؤلاء الوسطاء الثقافيون بين الناس
ويعززون الانقسامات بينهم في آن وبتسليط الضوء على الدور الذي تلعبه الموسيقى بالتوسط في الاختلاف، أقدم طريقة لدراسة كيفية تبني أشكال الثقافة الشعبية في الدوائر الأكثر نخبوية (كما يحدث مع الكثير من الموسيقى الشعبية) والسياسات التي تحكم هذه العملية في الوقت الراهن. تنظيف الشعبي وصناعة الموسيقى صعود مطربي الشعبي النظيف
يُطلق مصطلح "الشعبي" على أنماط موسيقية متنوعة، بدءًا من موال محمد أفندي العربي في ثلاثينيات القرن العشرين، مرورًا بالفلكلور المسرحي في
خمسينيات القرن نفسه، وصولًا إلى مغنين ذوي مظهر أنيق مثل محمد عبد المطلب، وانتهاءً بالمهرجانات المعاصرة. لكن النوع الذي أركز عليه هنا هو ما أطلق عليه محاوريَّ اسم "مدرسة عدوية "، أو ببساطة "شعبي شعبي.. يعني الشعبي الحقيقي"، وهو نمط ظهر في القاهرة أواخر ستينيات القرن العشرين.
وعلى الرغم من انتشاره الواسع، ارتبط ارتباطًا وثيقًا بأحياء الطبقة العاملة وسكانها في المدينة. وكثيرًا ما كانت الصحافة تستنكره وتصفه بالابتذال (عادةً).
حكيم.. قصة صعود كلاسيكية
في أوائل التسعينيات، ظهر حكيم كأول مطرب شعبي نظيف. سعى مُنتجه حميد الشاعري، إلى ملء ما رآه فراغًا في السوق مرة أخرى بخلق أسلوب شعبي أنيق وعصري. فابتكرا معًا أسلوبًا مختلفًا صوتيًّا وبصريًّا عن النسخ الشعبية السابقة: وابتعدا عن التخت الشرقي الذي تضم الأكورديون والكمان والكَوَلا) إلى تشكيل يُعرف باسم المجموعة الكومبو (يتكون من الأورج والدرامز والجيتار والبيز جيتار)؛ وأنتجا كليبات أظهرت حكيم بمظهر مهذب ومُهندم؛ وباعا الكاسيتات بأعلى من
أحمد عدوية صاحب مدرسة الشعبي المعاصر.. الشعبي الحقيقي .الصورة في ستوديو بالمعادي ٢٠١٨
السعر الشائع وهو ما يشير إلى محاولة واعية لجذب جمهور أكثر رقيًا، فضلاً عن تحقيق المزيد من الربح. اليوم، لا يزال حكيم يتمتع بشعبية كبرى، يغني بانتظام في ملاهٍ ليلية راقية ويحيي الأفراح في الفنادق، وسمعته كمغني شعبي نظيف تضمن له حجوزات ومكاسب أكثر من المطربين الآخرين. كما يدفع لفرقته (التي تتكون من موسيقيين محترفين من أوساط الموسيقى الشعبية) أكثر بقليل من الأجر الشائع، ما يعني أنه يختار الموسيقيين الذين يريدهم وفي الوقت نفسه يزرع جوًا من الهيبة/ البرستيچ بين أهل الصناعة.
مسيرة حكيم قصة كلاسيكية عن الانتقال من "الفقر إلى الثراء"؛ بدأ مغني أفراح متواضع في الشارع لكنه بمساعدة حميد الشاعري، حقق نجاحًا تجاريًّا كبيرًا. وفتح نجاح أسلوبه المميز "الشعبي النظيف" مساحة جديدة لمغنين غير متجذرين في مشهد الموسيقى الشعبية لغناء الشعبي بطريقة لا تزال تعتبر محترمة.
أحد هؤلاء المطربين هو حمادة مجدي، الذي عزفت معه لفترة وجيزة في نهاية عملي الميداني. كان حمادة فريدًا من بين مطربي الشعبي الذين عرفتهم، سواء في خلفيته أو إصراره على تمييز نفسه
كمغني شعبي نظيف.
وخلافًا لبقية المطربين الذين أعرفهم ويعيشون في المناطق الشعبية على أطراف المدينة، حمادة من مدينة نصر وهي منطقة تسكنها الطبقة المتوسطة في وسط القاهرة. وعندما طلبت منه أن ألتقي به لإجراء مقابلة، دعاني إلى كافيه بالقرب من شقته، كان مليئًا بشباب من الجنسين؛ في تناقض واضح مع المقاهي التي يهيمن عليها الرجال في الشوارع وتشكل مساحات نموذجية للتواصل الاجتماعي لغالبية مطربي الأغنيات الشعبية. كما تناقضت صورته؛ بحاجبيه المرسومتين بعناية وابتسامته
الهووليودية، مع المظهر الأكثر خشونة للمطربين الآخرين في الساحة. في مناقشة مسيرته المهنية، أوضح حمادة أنه بدأ الغناء وهو طالب جامعي (درس في الأكاديمية الدولية الخاصة للهندسة لوعلوم الإعلام) وركز في البداية على أساليب غنائية عرفها بأنها "دراما" و"شرقي". ثم تحوَّل إلى الغناء الشعبي بسبب "أكل العيش". وعلى الرغم من تفضيله الشخصي للمطربين الكلاسيكيين والشبابيين مثل عمرو دياب، فقد وجد أن غالبية الأعمال المتاحة للمطربين كانت في مناسبات مثل الأفراح، و"كما أوضح: "في الأفراح
الناس عاوزة الشعبي".
أشار حمادة إلى حكيم كمصدر رئيسي للإلهام. في الواقع، دون وجود حكيم كنموذج، أشك في أن شخصًا مثل حمادة كان ليعتبر الغناء في الأفراح الشعبية مهنة قابلة للاستمرار أو مرغوبة. لقد كان حريصًا على التمييز بين ما اعتبره أسلوبهما اللائق (أسلوبه وأسلوب حكيم) والشعبي "المبتذل" (العادة). بالنسبة له، لم يكن الاختلاف متجذرًا في الأشكال الموسيقية، بل في اختيار الكلمات وأماكن الغناء. أوضح حمادة أنه يرفض الكلمات البذيئة (الألفاظ)، ويسعى إلى اختيار كلمات هادفة.
كيف تعامل حمادة مجدي وأحمد شيبة، مع "تنضيف" الشعبي؟
العديد من أغنياته ذات مواضيع دينية، على سبيل المثال "اللي حامينا ربنا" (٢٠١٧)، و"ثقة في الله" (٢٠١٨)، ودويتو مع أحمد شيبة بعنوان "الله المستعان" (٢٠١٩).
هيا نبتعد عن الشارع
لكن إدرا حمادة مجدي للموضوعات الدينية وسيلة سعى من خلالها إلى تنظيف الشعبي بدمج تفاصيل مقبولة ومحترمة اجتماعيًّا على نطاق واسع.
كما نأى بأسلوبه الخاص عما اعتبره شعبيًّا مبتذلاً وذلك بقراره بالغناء في أفراح تقام في أماكن مغلقة فقط، وليس في الشارع أبدًا.
لطالما كان رفض "الشارع" كمساحة للتواصل الاجتماعي الصاخب أساسيًّا لبناء هوية الطبقة المتوسطة في القاهرة، وبالنسبة لحمادة كان هذا عنصرًا رئيسيًّا للحفاظ على نظافة الشعبي. ولأن إقامة فرح في فندق لا في الشارع هو أيضًا علامة على التمييز الطبقي، فإن هذا القرار يعني بوضوح أيضًا أن الجمهور الذي ينوي جذبه هو جمهور راقٍ.
قد يبدو من المتناقض إذن أن كليباته الخاصة (بما فيها المصاحبة للأغنيات ذات الطابع الديني المذكورة أعلاه) تميل إلى تصوير الأفراح في الشوارع وتتضمن إشارات بصرية واضحة للحياة في الأحياء
الشعبية. لكن حمادة حريص أيضًا على دمج عناصر تساعده على الابتعاد عن العناصر السلبية للشارع. مثلاً، عوضًا عن الراقصة الشرقية التي تظهر عادةً في مثل هذه الكليبات، غالبًا ما تصاحبه فرقة من عازفي الإيقاع والراقصين الذكور. يؤدي هؤلاء الراقصون، الذين يظهرون أيضًا في عروضه الحية، خطوات مصممة بعناية تشبه أسلوب الرقص الشعبي المسرحي الذي ابتكرته فرقة محمود رضا في الستينيات. وكما ذهبت كريستين شاهين، عالمة الإثنوجرافيا، فإن أسلوب فرقة رضا "يمثل نسخة مصرية أنظف (أقل وصمة جنسية)، وأكثر
ذكورية عند الطبقة المتوسطة والعليا، التي لم تضطر للتعامل مع الطبقة العاملة الشعبية ودلالات العمل الجنسي [الدعارة] والارتباطات التي كان الرقص الشرقي يصارعها دائمًا" ارتبط الرقص الشرقي تقليديًّا بالشوارع والطبقات الدنيا؛ وحركاته مثيرة وغير متوقعة، لكن الفرقة الذكورية مصممة جيدًا ومنظمة. وهذا يعكس خطابًا تأديبيًّا تنظيميًّا للمكان تبنته الطبقات المتوسطة العليا وكذلك الدولة: إذ تتناقض الفوضى المفترضة والتفكك الاجتماعي المرتبط بالمناطق غير الرسمية مع الأحياء الرسمية أو النخبوية المنظمة مكانيًّا
وأخلاقيًّا ومن خلال دمج رقص يشبه عروض فرقة رضا، يتمكن حمادة من استخدام صور تضعه بقوة في عالم للموسيقى الشعبية "الأصيل"، وفي الوقت نفسه ينظم هذه المساحات ويؤدبها، وهكذا ينأى بنفسه عن وصمها بالابتذال. وعلى الرغم من أن حمادة لم يصل إلى نفس مستوى شهرة حكيم، فقد حقق نجاحًا نسبيًّا؛ فلديه جدول مزدحم بعروض الأفراح، وكثيرًا ما تبث كليباته على قناة مزيكا الفضائية الموسيقية، التي لا تعرض أغنيات شعبية عادةً، وتلتزم بأنماط أكثر كلاسيكية أو تقليدية محترمة.
وبهذا المعنى، وسَّع حمادة نطاق تأثير الشعبي بإيجاد موضع له على منصات جديدة كان مستبعدًا منها في السابق. لكن تبنيه للشعبي يظل جزئيًّا: إذ يلزمه رفض العديد من جوانب ممارسة الأداء التقليدية للحفاظ عليها بشكل اعتبره نظيفًا ومحترمًا لشخص في مكانته الطبقية.
التعاون المتبادل
ربما بفضل المظهر والصوت الشعبي النظيفين اللذين يجسدهما حكيم وحمادة مجدي، سعى مطربون غير شعبيين باطراد إلى التعاون مع مطربين شعبيين في دويتوهات مشتركة، مما أدى
إلى أغنيات تُسمع باعتبارها أكثر قبولاً من الشعبي المعتاد. وبالنظر إلى التسلسل الهرمي داخل صناعة الموسيقى حيث تنخفض قيمة الشعبي مقارنة بأنواع مثل البوب أو الشبابي - حتى أشهر مطربي وموسيقيي الشعبي يتقاضون أجورًا منخفضة للغاية مقارنة بنجوم مثل عمرو دياب وشيرين عبد الوهاب - قد يفترض المرء أن موسيقيي الشعبي هم من سيبادرون إلى مثل هذه التعاونات. لكن بعد مشاهدة العديد من هذه التعاونات يتم التفاوض عليها وإنتاجها، صار واضحًا أن المطربين من أنواع أخرى (أكثر "احترامًا"
لكن ربما أقل نجاحًا تجاريًّا أو متراجعة) هم عادةً من يقتربون من فناني الشعبي ويقترحون عليهم التعاون. مثلاً، في فبراير ٢٠١٨ دعاني صديق ملحن إلى جلسة تسجيل. وأوضح لي أنه كُلِّف بتلحين دويتو لإيهاب توفيق، وأحمد شيبة، وسألني عما إذا كنت أرغب في الحضور والاستماع إليهما وهما يسجلان تراكاتهما.
كنا بعد منتصف الليل بقليل عندما توجهت إلى الستوديو، وسائق التاكسي يشغل أغنية شيبة الأكثر شهرة "آه لو لعبت يا زهر، ٢٠١٦". أخبرت السائق أني في طريقي للاستماع إليه وهو
سعى إيهاب لدويتو مع شيبة ليكسب جمهوره والدعاية أنه يرتقي به!
يسجل، ففر بحماسة محتويات فلاشة يغني فيها شيبة مجموعة مختارة من أغنياته، فضلاً عن الإشارة إلى لوحات إعلانية مررنا بها باعتباره الوجه الجديد لحملة إعلانية لشركة الاتصالات الدولية ڤودافون. عندما وصلت، لم يكن المطربان قد بدآ التسجيل بعد، لذا جلست معهم في الصالة. حدثني إيهاب عن رحلته الأخيرة إلى لندن، وحبه لمحل سلفريدچز الراقي، ودرجة الدكتوراه التي حصل عليها في الموسيقى. بدا حريصًا على تقديم نفسه كمتعلم وثري وعالمي، وإيجاد نقاط مشتركة معي، طالبة الدكتوراه البريطانية.
وتعليقًا على الموضوع الديني، سألت إيهاب عن الأغنية التي سيسجلانها، وعنوانها "عشمي في ربنا". أجاب: "نعم، تحمل رسالة جيدة. ولكنها عدا ذلك، مجرد تيمات شعبية معتادة: النصيحة والحزن وما إلى ذلك"، ثم عبس قليلاً وأشاح بيده رافضًا. وعندما سألته عمن كانت فكرة الثنائي، أجاب: "كانت فكرتي. أردت أن أقدم شيئًا شعبيًّا مع شيبة، ولكن أنظف مما يقدمه عادةً.. شعبي نضيف". أوضح أنه كان عادةً يرى أن الشعبي أقل منه، وأنه يحاول الارتقاء به عبر تنظيف أسلوب شيبة.
يُعرف ستوديو رسالة في المهندسين، بأنه
أحد أفضل الستوديوهات في القاهرة. سجَّل كلا المغنيين هناك من قبل وكانا ودودين مع مهندس الصوت. سجَّل شيبة تراكه أولاً، واقفًا في حجرة التسجيل الكبيرة بينما بقيت أنا، ومهندس الصوت، وإيهاب وبقية الفريق (الشاعر والملحن وفريق الإدارة) في غرفة التحكم المجاورة، مفصولين بحائط زجاجي. شغل مهندس الصوت التراك المسجل مسبقًا وغنى شيبة دوره.
شارك العديد من الأشخاص في غرفة التحكم في تقديم المشورة له: مهندس الصوت، والشاعر والملحن، وبخاصة إيهاب. الذي أوقفه أكثر من مرة في
منتصف المقطع، وأخبره أنه يغني بشكل خاطئ، وغنى له النسخة "الصحيحة". وبالإضافة إلى التعليق على أدائه، واقترح زخارف معينة (حليات) ليستخدمها شيبة أثناء الموال. ونصحه بغناء مقاطع معينة أعلى أو أسفل الأوكتاف. وفي مرحلة ما، توتر إيهاب بعض الشيء في حديثه إلى شيبة، قائلاً إن هذا الجزء من الأغنية ليس من المفترض أن يُغنى بمثل هذا "العنف": "لا، لا، لا... لا نريد هذا العنف هنا... ليس بهذه القوة، ليس بهذه الطريقة" قبل أن يُظهر الصوت الذي لا يريده، في تقليد مبالغ فيه لصوت شيبة؛ بنفخة
متصنعة وصاخبة. ثم أظهر الصوت الذي يريده: أكثر نعومة وأكثر تماسكًا وأقل إزعاجًا.
استجاب شيبة لجميع الاقتراحات بروح طيبة، وأجاب (حاضر يا أستاذ). غادرت وقد تجاوزت السابعة صباحًا بقليل، بعد أربع ساعات من بدء التسجيل، لم يُظهر إيهاب رغبة في الانتهاء، ويمكن فهم إصراره على تكرار كل عبارة وتنقيحها على أنه مزيج من سعي للكمال وموقف أدائي ضد موقف شيبة الأكثر ميلاً إلى التسجيل بسرعة، الذي أنهى الجزء الخاص به في أقل من ساعتين.
الاستوديو وديناميكيات القوة
لطالما زعم المختصون أن ستوديوهات التسجيل هي مساحات تتجلى فيها تسويات العلاقات وديناميكيات القوة. ترى لويز مينتجيس مثلاً أن "التسجيل والمكساچ صراع درامي على علامات تجسد القيم والهويات والتطلعات" ويمكن قول الشيء نفسه هنا. أراد إيهاب هالة الأصالة والشهرة التي جلبها شيبة، لكنه كان في الوقت نفسه حريصًا على ترسيخ مكانته المهيمنة طول الوقت، وهو على الأرجح يدرك أنه رغم رفضه للموسيقى الشعبية، فإن مشاهدات شيبة على يوتيوب تفوق
في الاستديو حيث تتجلى ديناميكيات القوة وصراع العلاقات الموسيقية
مهندس الصوت محمد جودة، بملعبه الخاص بالتسجيل وتنظيف الموسيقى
مشاهداته كثيرًا. وقد بثت الأغنية في النهاية مصحوبة بڤيديو كليب، عرض، مثل كليبات حمادة مجدي، على قناة مزيكا الفضائية. وهكذا نجحت محاولة إيهاب وفريقه الإنتاجي في "الارتقاء" أو "تنظيف" الموسيقى الشعبية من أجل الاستهلاك الجماهيري وفتح منصة جديدة لها. يمكن فهم الشخصيات التي تولت تنظيم عملية تنظيف الموسيقى الشعبية في الأمثلة المذكورة أعلاه -المطربان حمادة مجدي وإيهاب توفيق- باعتبارها استولت على أسلوب موسيقي مهمش أو استحوذت عليه لتحقيق مكاسب تجارية.
فقد حرصا طوال الوقت على التأكيد على الحدود بينهما وبين الفنانين الشعبيين الآخرين والحفاظ عليها لتسليط الضوء على مواقفهما الثقافية الطبقية المتفوقة. ويشير تشاد هيب إلى موقف مماثل في كتابه "السكن العشوائي"، ٢٠٠٩، إلى نيويورك في عشرينيات القرن العشرين حيث كانت الطبقة متشابكة بشكل عميق مع العِرق. ويصف كيف كان موسيقيون بيض يزورون حي هارلم ويستمعون بإعجاب إلى عازفي چاز سود، وينظرون إلى أسلوبهم عبر منظور بدائي -باعتباره "بسيطًا وطبيعيًّا"- وهذا مشابه لكيفية
فهم توفيق لأسلوب شيبة، وهكذا، فإن الحالات التي يحدث فيها تقريب الشعبي إلى مَن خارج دائرته يمكن أن تعمل في الواقع على ترسيخ وتفاقم الحدود والانقسامات. ويلاحظ هيب أيضًا أن هذه الصورة النمطية العنصرية للبدائية والحسية والإفراط في الجنس المرتبطة بالملاهي الليلية للسود هي ما جذبت المستمعين البيض. لقد شعر أفراد الطبقة المتوسطة البيضاء بالإثارة، وأنهم قادرون على تغيير حدود المعايير الجنسية التي تحكم المساحات
الاجتماعية البيضاء، مع تسليط الضوء على اختلافهم ومكانتهم الأخلاقية
المتفوقة في الوقت نفسه.
وبالتأكيد يوجد ملمح من هذا في استمتاع رضوى بالشعبي كما وضح في المقطع التمهيدي: يمكن فهمه على أنه ملمح سمعي من "العيش في الأحياء الفقيرة". ومع أنها لم تحضر فرحًا في الشارع من قبل، فقد اعترفت بأنه بدا مثيرًا؛ لقد أطلقت العنان للقيود، وكان وجود راقصة شرقية بمثابة إشارة إلى التخفف من القواعد الجنسية. ويمكن إحالة عنصر المتعة هذا لحفلة منزل صديقي في شكل أكثر وضوحًا من خلال مطربين مثل حكيم وحمادة مجدي.
لكن في حين يحفظ موسيقيو الچاز
البيض ألحان الموسيقيين السود ويستولون عليها، ويؤدونها في ملاهِ ليلية منفصلة بأجور أعلى، يُحظر على المؤدين السود دخولها، فالموسيقيون في حالة الشعبي يستفيدون في بعض النواحي من المنصات الجديدة المفتوحة أمامهم. إذ يمكنهم فرض أجور أفضل بما يتماشى مع الأنواع الأكثر احترامًا، وبث أغنياتهم على قنوات كانت محظورة عليهم في السابق. وبهذا المعنى، يمكن فهم شخصيات مثل حمادة مجدي وإيهاب توفيق كوسطاء يساعدون موسيقيي ومغنيي الشعبي الآخرين على التواصل مع محترفي الصناعة ومنصات إعلامية
تستبعدهم. ويوسعون نطاق ما يُعتبر مقبولاً، ويعيدون تقسيم المحسوس عبر التفاوتات الاجتماعية.
السبكية والكليبات الشعبية
على عكس وسطاء الثقافة المذكورين أعلاه ممن حاولوا تنظيف الشعبي وقدموا أنفسهم بوعي على أنهم "غرباء" عن المشهد الشعبي، يناقش بقية المقال وسطاء قدموا أنفسهم بوعي على أنهم "من الداخل"، أو بالأحرى على دراية وثيقة بالمشهد الشعبي، لذلك فهم الأكثر قدرة على التوسط بين نجوم الشعبي وجمهور أوسع من المستمعين.
يقدم هذا القسم الأخوين السبكي (أحمد ومحمد) منتجي الأفلام، اللذين يساعدان منتجي الأغنيات الشعبية المشهورين على إنتاج كليبات عالية الجودة يعرضونها بعد ذلك في أفلامهم. السبكية أكثر "منظفي" الأغنيات الشعبية إنتاجًا وشهرة اليوم، باستخدام وسيط الكليب، الذي يعتبر "لائقًا" وعالي القيمة بطبيعته عند موسيقيي الشعبي لزيادة مكانة النوع وجاذبيته. تردد اسم السبكي كثيرًا في أثناء عملي الميداني، في الحوارات حول الموسيقى الشعبية أو بشكل عام. يشير هذا الاسم إلى العائلة منتجة الأفلام سيئة السمعة،
بإدارة الأخوين أحمد ومحمد، وتشير عبارة "أفلام السبكي" إلى الأفلام التي ينتجونها.
ينحدر الأخوان السبكي، الأثرياء الآن، من أصول متواضعة: كانت عائلتهم تدير محل جزارة في حي الدقي بالقاهرة، وفي عام ١٩٨٥، افتتحا محلاً لأشرطة الڤيديو فوق محل الجزارة. أخبرني أصدقائي أن هذه التجربة هي ما سمحت لهما بفهم ما يريده الجمهور من الفيلم؛ لقد عرفا ما يباع وما لا يباع. واستخدما هذه المعرفة لإثبات نفسيهما كمنتجين فأسسا شركة "السبكي للإنتاج الفني"، في أوائل التسعينيات.
أصبح السبكية "مجازًا مرادفًا للترفيه الخفيف والحوار الفاحش والمشاهد الفاضحة" كما يقول شهاب الخشاب. لا تزال أفلامهما، التي تدور أحداثها غالبًا في الأحياء الشعبية، ناجحة تجاريًّا ولكنها الآن تتعرض لانتقادات النقاد بسبب الجودة المتصورة لإنتاجها، والحبكات التي تدور في فلك المخدرات والعركات والراقصات الشرقيات. أصبح اسم السبكية مرادفًا للإفلاس الأخلاقي والفني في مقابل الربح السريع، وتخضع أفلامهم، بل وهما نفسيهما، لنفس الاتهامات الطبقية بالابتذال التي وجهت تاريخيًّا للموسيقى الشعبية.
وربما ليس من المستغرب إذن أن ترتبط الموسيقى الشعبية اليوم ارتباطًا وثيقًا بأفلامهم.
ماذا يقدم السبكية للموسيقى الشعبية غالبًا ما يُشار إلى أحد كبار المغنين الشعبيين المعاصرين، وبخاصة محمود الليثي وسعد الصغير، باسم "حبيب السبكي" (أحيانًا بإطراء وأحيانًا بسخرية). وذلك لأن هؤلاء المطربين غالبًا ما يظهرون في أغنيات مصحوبة بمشاهد رقص في أفلام السبكي تُنتَج بشكل منفصل عن بقية الفيلم وتُنشر ككليبات مستقلة على موقع يوتيوب، وقنوات تليفزيونية مثل "شعبيات"
قبل أسابيع قليلة من عرض الفيلم، بهدف استخدامها كمقاطع دعائية ترويجية. وتستمر هذه الكليبات في التداول لفترة طويلة بعد أن تسقط الأفلام نفسها في غياهب النسيان، كما تنتشر أيضًا في مساحات "نخبوية". بشكل واضح: مثلاً، ظهرت أغنية حكيم التي تُذاع في مقطع قصير تمهيدي ترويجي لفيلم السبكي "حلاوة روح" (٢٠١٤).
وقد رأى محاوريَّ -الموسيقيون الشعبيون والمعجبون والمنتقدون لكليبات السبكي على حد سواء- هذا المقطع على أنه شعبي "نضيف".
لكن لماذا تعتبر كليبات السبكية شعبية نظيفة في حين تُحتقر أفلامهم بشدة وتعتبر "مبتذلة"؟
الإجابة تتعلق جزئيًّا بترويج السبكية للكليبات باعتبارها وسيلة ملائمة للموسيقى الشعبية. فقبل أن يشرعا في إنتاج الكليبات الشعبية، كان عدد الكليبات الشعبية قليلاً للغاية: فقد لاحظ دانييل جيلمان في عام ٢٠١٤ أن هناك "عددًا محدودًا من الكليبات الشعبية المنتجة بشكل احترافي"، ولاحظ بيترسون، ٢٠٠٨ على نحو مماثل، أنها "نادرة للغاية" بسبب التكاليف الباهظة. كانت في السابق وسيلة
مرتبطة بأنواع موسيقية أكثر احترامًا بسبب الاستثمار المالي الكبير المطلوب لإنتاج ڤيديو كليب، وأيضًا لأن الكليب يستلزم موافقة رقيب ثقافي ليعرض على التليفزيون، ومن ثَم يحصل الموسيقي على نوع من المصداقية الخارجية.
وعلى هذا النحو، فالكليب عند الموسيقيين الشعبيين الذين أعرفهم، وسيلة توحي بجو من الرقي، حتى إنه تقريبًا أصبح مرادفًا للجودة.
وأنا أجري عملي الميداني، كانت الكليبات الشعبية المنتجة باحترلافية منتشرة في كل مكان، ويرجع الفضل في ذلك في المقام الأول إلى السبكية؛ فبعد
أن رأوا النجاح والشهرة التي وفرتها كليباتهم لمطربين شعبيين مثل [محمود] الليثي، صار معظم المطربين الذين أعرفهم حريصين على صنع كليبات خاصة بهم. فقد اعتبروا صناعتها علامة مرغوبة على الاحتراف، فضلاً عن كونه الوسيلة المثلى للترويج لأنفسهم وتوقع المزيد من حجوزات الأفراح، إذ عندما يتم بث كليب على التليفزيون أو يوتيوب، تظهر تفاصيل الاتصال بالمغني بشكل بارز في التترات أو على لوحة متحركة طوال الوقت. وقد أنشئت العديد من الشركات، وأبرزها شركة شعبيات، لتقديم خدمات إنتاج
الكليبات خصيصًا لمطربين شعبيين، لكن الكليبات التي ينتجها السبكي تتميز بجودة إنتاجها العالية: إذ تُصوَّر باستخدام معدات صوت وتسجيل أعلى جودة مما قد يتمكن مطربو الأغنيات الشعبية من الوصول إليه، والنتيجة منتج متفوق بصريًّا و(أنضف) صوتيًّا من غالبية إصدارات الأغنيات الشعبية، كما لاحظ الخشاب، ٢٠١٩. على نحو مماثل يرى محاوري أن السبكية عبر ذلك كانوا يساعدون عددًا قليلاً من المطربين على الوصول لأماكن وجماهير راقية جديدة. وكما قال عاطف، أحد مؤلفي الأغنيات: بفضل أفلام السبكي،
الرقص الشرقي أحد مكونات خلطة الكليب الناجخة عند السبكية
"عم يا صياد" كليب الليثي الذي نجح بعيدًا عن الفيلم الذي لا يذكر أحد اسمه!
أصبح هؤلاء المطربون على مستوى عالٍ. في فرح ابنتي، سأحضر دي چي فقط، لأنه كما تعلمين... [فرك سبابته وإبهامه، قاصدًا أن المغني اللايڤ سيكون مُكلفًا للغاية]. لكن ابنة أحد الوزراء التي ستتزوج قريبًا قالت لوالدها: "عاوزة الليثي في فرحي، عاوزة سعد الصغير".
خلطة الكليب الناجحة
يجسد كليب محمود الليثي "عم يا صياد" من فيلم (يجعله عامر، ٢٠١٧) أسلوب السبكية لتقديم فيديو كليب ناجح. يتناول الفيلم محنة عامر (يلعب دوره أحمد رزق)، الذي يطلق زوجته
أكثر من مرة. ويظهر المطرب محمود الليثي في أدوار تمثيلية مختلفة في الفيلم.
أغنية "عم يا صياد" واحدة من ثلاثة كليبات أنتجت بشكل مستقل عن الفيلم، وأثبتت أنها أكثر شعبية، وقد سمعتها باستمرار طوال فترة عملي الميداني، سواء في وسائط إعلامية في جميع أنحاء المدينة أو في أداء حي. في الواقع، أثبتت الأغنية أنها أكثر شعبية بكثير من الفيلم نفسه الذي لم يحقق نجاحًا. وبالكاد يستطيع أي شخص سألته أن يتذكر اسم الفيلم الذي ظهرت فيه الأغنية أصلاً، مما يدل على أن هذه
الكليبات تُستهلك بشكل مستقل عن الأفلام التي تظهر فيها. تدور أحداث الكليب في ملهى ليلي، ويوضع المشهد في سياقه للمشاهد عندما يقترح عامر على رفيقة له الخروج لقضاء ليلة ممتعة لمساعدتها على نسيان همومها. وفي الڤيديو، ينادي على الليثي، ويسأله عن مكان غنائه، ثم تنتقل اللقطة مباشرة إلى الملهى الليلي حيث يبدأ الكليب المنفصل. تركز الكاميرا على الراقصة الشرقية، أنستازيا، التي تحني ظهرها بشدة، فينسدل شعرها إلى الأرض، ثم تنهض ببطء، وتبدو صورتها الظلية على خشبة مسرح مظلمة
بالدخان، مصحوبة بعزف منفرد مرتجل حزين على الكمان بمصاحبة موال الليثي الباكي. ثم تدور الكاميرا حول الراقصة، وتنتقل بين لقطات مقربة وكاملة لجسمها، ربما لتقليد النظرة الذكورية المتخيلة للجمهور. بعد نحو دقيقة من الڤيديو، نرى أخيرًا مصدر الصوت: الليثي يغني في الخلفية. ومع انتقال الموال إلى الجزء الأكثر تفاؤلاً من الأغنية، يأتي ليقف في وسط المسرح مع الراقصة. ويؤديان بعض الحركات الراقصة معًا، إذ يضع الليثي الميكروفون في حزام بنطلونه، ويضع يديه خلف رأسه، ويدفع بفخذيه، بأسلوبه الهزلي
المميز. وتنتقل الكاميرا إلى جمهور الملهى الليلي (بما في ذلك شخصيات من الفيلم وعشرات الممثلين المساعدين)، الذين يغنون ويرقصون معهما.
وفي حين يزعم النقاد أن السبكية يضحون بجودة الإنتاج في سبيل الربح، فإن الكليبات التي ينتجونها تتميز بقيمة إنتاجية عالية، خصوصًا لو قورنت بمعظم الكليبات الشعبية الأخرى المنتجة ذاتيًّا أو تنتجها شركات مثل شعبيات.
في الكليب المشار إليه، استُخدمت كاميرات متعددة، مما سمح بالتبديل المنتظم لزاوية الكاميرا للحفاظ على الطاقة العالية، ويتميز بلقطات
كاسحة تبدو كأنها صورت باستخدام رافعة أو ذراع، مما يشير إلى إعداد احترافي وجماليات عالية. من ناحية أخرى، تصور الكليبات التي تنتجها شعبيات بكاميرا واحدة، غالبًا محمولة باليد، مما ينتج جماليات محدودة وقيمة إنتاجية منخفضة. كما أن الفرق في جودة معدات التحرير واضح، إذ تتمتع كليبات السبكي بلمسة نهائية متقنة أكثر من غيرها. بالإضافة إلى ذلك، يتمتع السبكية بفرصة أفضل للوصول إلى مواقع التصوير بسبب ميزانياتهم الأعلى وارتباطاتهم بصناعة الأفلام: صوِّر هذا المقطع في ملهى ليلي مستأجر
في حين يميل مصورو شعبيات إلى التصوير في الشارع لتوفير المال. كما يستفيد الكليب من جودة صوت ممتازة. وفي حين أن الضوضاء الخلفية الناتجة عن التسجيل في الموقع في بعض أفلام السبكي تجعل من الصعب سماع الحوار أحيانًا، فإن الأغنية واضحة تمامًا ومُعادلة بعناية لضمان توازن ممتع بين الآلات. وذلك لأن الأغنيات التي تظهر في كليباتهم، بما في ذلك "عم يا صياد"، تسجل بشكل منفصل عن بقية الفيلم، وعادةً ما تكون في ستوديو رسالة في المهندسين، ويمكسچها مهندس الصوت محمد جودة (نفس المكان ومهندس
الصوت في جلسة تسجيل شيبة وإيهاب توفيق التي أشرنا إليها سابقًا). يستخدم هذا الاستوديو تكنولوچيا عالية الجودة ومكلفة، بما في ذلك برنامج الموسيقى Pro Tools وأجهزة كمبيوتر Mac، التي توفر مجموعة واسعة من التأثيرات وخيارات المونتاچ Editing.
كما تميل أغنيات أفلام السبكي لاستخدام الآلات الموسيقية الحية، التي تسجل كل منها على حدة، على عكس النسخ المحوسبة من الكمان والكَوَلا التي توفر المال وتهيمن على إعدادات الستوديوهات المعتادة. إلى جانب حقيقة أن معظم الاستديوهات التي
تُسجل فيها الأغنيات الشعبية تكون مجهزة بشكل أسوأ بكثير وتعتمد على تكنولوچيا قديمة ورديئة في كثير من الأحيان، ما يعني أن الأغنيات المسجلة في كليبات السبكي تتميز صوتيًّا عن إصدارات الشعبي الأخرى بحكم جودة إنتاجها الصوتي. وقد أدت الكليبات المتقنة بصريًّا وصوتيًّا، إلى دفع العديد من محاوري إلى القول إن السبكي ارتقى بالموسيقى الشعبية، وأضفى عليها بريقًا من الاحترافية غير مرتبط عادةً بهذا النوع من الموسيقى. وقد أخبرني المغني أدهم أنه كان يحلم بالظهور في فيلم للسبكي، لأنه ينتج (حاجة راقية) يمكن
أن يوفر فرص عمل أعلى مما يوفره كباريه درجة ثالثة. وأشار إلى أن نسخة السبكي الجيدة من الأغنيات الشعبية تروق لنوع مختلف من الجمهور (الناس الراقية في الأماكن الراقية). وقد مكن المظهر والصوت الاحترافي للمقاطع، إلى جانب انتشارها في كل مكان (وكلاهما أصبح ممكنًا بفضل وضع السبكية كمنتجين ناجحين بالفعل لديهم رأس مال للاستثمار) من صورة جديدة للموسيقى الشعبية. وكما يحدث غالبًا في الموسيقى الشعبية، فإن الأغنيات التي تظهر في كليباتهم تلعب في محتواها أيضًا على حدود الأشكال
الثقافية "الراقية" و"المبتذلة" من خلال الاقتباس الموسيقي. فكلمات ولحن الموال الافتتاحي في "عم يا صياد" مقتبسة من مقطع غنته سعاد حسني عام ١٩٦٦ "يا بحر الهوى" وهي أغنية لا تزال في الأذهان، وتؤديها ممثلة/مغنية يُنظر إليها على أنها محترمة. في مثال آخر، تقتبس أغنية الليثي الناجحة في كليب "أطاوع" (٢٠١٨) العديد من الأغنيات "الراقية". تبدأ الأغنية بكلمات مأخوذة من مقطع من أغنية أم كلثوم "يا ظالمني" (١٩٥١): "أطاوع في هواك قلبي". لكن الليثي "يخليها شعبي" الجملة التالية بتغيير الكلمات من
"أنسى الكل علشانك" إلى "أبيع الكل علشانك" بشكل أكثر دراماتيكية. كما يغير اللحن، ويحول الشعور المنعش الخفيف لأصل أم كلثوم في مقام العجم، إلى شعور درامي عاطفي ونمطي شعبي من خلال نقله إلى مقام الصبا، مع الربع التون المميز له. هذا "التحول الشعبي" (الذي يُعبَّر عنه بالعربية "تخلِّيها شعبي") يؤكده مزمار إلكتروني (آلة ذات لسان مزدوج) يعزفه جهاز توليد الأصوات، أصبح الصوت المميز للموسيقى الشعبية المعاصرة. ويمكن النظر إلى دمج عناصر من الأغنيات القديمة المحترمة مثل أغنيات أم كلثوم
وسعاد حسني على أنه يزعزع مفاهيم مقررة للفارق بين الأشكال الثقافية "الراقية" و"المبتذلة". وفي هذه الاقترانات الجديدة وإعادة ترتيب عناصر تعتبر راقية ومبتذلة، تشير الكليبات التي ينتجها السبكي لإعادة تقسيم ما يمكن قوله في أي شكل جمالي معين. وبفضل إطارها المتقن وجاذبيتها السائدة، تقدم للمغنين وعدًا بالوصول لجمهور جديد أكثر نخبوية. فقد تعاملا باعتبارهما "من داخل" عالم الموسيقى الشعبية وفي الوقت نفسه يتمتعان برأس مال كبير لتسهيل هذه الجماليات الجديدة.
شعبيات: توزيع الشعبي
في حين لعب السبكية دورًا كبيرًا في إنتاج كليبات شعبية نظيفة، لعب شقيقان آخران لهما خلفية اجتماعية وثقافية متشابهة دورًا رئيسيًّا في تسهيل توزيعها. في أواخر عام ٢٠١١، أسس وليد والجندي قناة شعبيات، أول قناة تليفزيونية فضائية موسيقية مخصصة بالكامل لبث الموسيقى الشعبية. أتيحت لي الفرصة لمقابلة وليد في مكتب الشركة الأنيق في المهندسين، على مقربة من ستوديو رسالة حيث يسجّل صوت كليبات السبكي. زُيِّن درج المكتب على طريقة الكولاچ بعنوان "متحف
برومو شعبيات بصور المعاصرين يناقض الصور الملصقة على مكتب وليد الجندي..
شعبيات"، بصور بالأبيض والأسود لمطربين كبار مثل أم كلثوم (بينما غاب المغنون الشعبيون بشكل غريب!).
جلس وليد خلف مكتب كبير، الحائط من ورائه مغطى بورق حائط جريء عليه صور لعواصم عالمية.
أدهشني هذا التوجه العالمي الضمني إذ يتناقض بشكل غريب مع التوجه المحلي (الوطني) الواضح لقناتهم، كما يتناقض مع التوجه القومي العربي لقنوات موسيقى مملوكة للسعوديين مثل روتانا كليب، فضلاً عن التوجه العالمي الواعي الذي يتسم به المغني الشعبي النظيف حكيم.
وأوضح وليد أن عمل شعبيات يتكون من جزئين. أولاً، قنواتهم التليفزيونية ويوتيوب، الذي يعرض كليبات شعبية وتدر دخلاً من عائدات الإعلانات. وأشار بفخر إلى لوحة فضية حصلوا عليها من يوتيوب بعد الوصول إلى مليون مشترك؛ زادوا وقت كتابة هذا التقرير، إلى ٤.٠٦ مليون مشترك.
قال وليد: "أعمل الآن على قناة يوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما أعمل في القناة التليفزيونية نفسها". بعض الكليبات التي يعرضونها هي ببساطة مشاهد رقص وأغنيات مقصوصة مباشرة من أفلام قديمة
لكن أغلب الڤيديوهات التي تبثها شعبيات أنتجت خصيصًا لبثها على التليفزيون ويوتيوب. وهذا هو الجزء الثاني من عملهم: خدمة إنتاج الڤيديوهات. فمقابل ما بين ٥٠٠٠ و٥٠٠٠٠ جنيه مصري، يمكن لأي مطرب أن يحضر لهم أغنية ينتجون لها ڤيديو كليب. بعد كتابة حبكة تتناسب مع الكلمات، وتوفير مخرج وممثلين ليظهروا إلى جانب المغني في الكليب.
لماذا يسعى المغني لإنتاج كليب؟
كان العديد من المغنيين الذين التقيتهم حريصين على استخدام هذه الخدمة لتنظيف موسيقاهم آملين الوصول إلى
مستمعين يتجاوزون الموجودين في سياقات الأداء الحي/ اللايڤ. مثلاً شرح المغني أحمد البرنس، الذي كلف شركة شعبيات مؤخرًا بإنتاج كليب لأغنية جديدة، الأمر: "يمكن لأي شخص الغناء في الأفراح أو الملاهي الليلية. ولكن تصوير كليب يُظهر أنك محترف [استخدم الكلمة الإنجليزية Profesional]؛ وأنك تقدم شيئًا لائقًا (نظيفًا)، وراقيًا. أريد المزيد من حجوزات الأفراح، ولكني أريد أيضًا الحصول على شيء عالي الجودة، شيء راقٍ (مستوى عالٍ) للنهوض بمسيرتي المهنية إلى ما هو أبعد من الأفراح".
وعندما سألته عن سبب حرصه على تحويل أغنيته إلى كليب، كانت لغته مليئة بالكلمات الإنجليزية: "عشان البرستيچ، وعشان الفيديو كليب دعاية كويسة". تستخدم كلمة دعاية Propaganda كثيرًا بين الموسيقيين ومحترفي التسويق لتعني شيئًا أشبه بالترويج، ولا تحمل الدلالات السلبية الضمنية في الاستخدام الإنجليزي للكلمة.
ضمنيًّا، يعهد أحمد البرنس إلى شعبيات بالتوسط بينه وبين مجموعة متخيلة من مستمعين نخبويين، بنفس الطريقة التي ينتهجها الأخوان السبكي.
عكس السبكية الذين يصورون كليباتهم في استديوهات مجهزة تصور شعبيات في الشوارع توفيرا للنفقات
ولكن في حين عمل السبكية فقط مع مطربين ناجحين بالفعل، قدم الأخوان شعبيات لمطربين شعبيين غير معروفين فرصة للظهور في لحظة مهمة. فقد لعبا دورًا فعالاً في إنشاء منصة جديدة لموسيقيي الشعبي العاديين لإنتاج وبث الكليبات، عندما همشتهم سابقًا وسائل الإعلام الرسمية، وغيرها من حراس الثقافة المؤسسية (مثل من يديرون قنوات الموسيقى ميلودي هتس ومزيكا). وتتركز رؤيتهما لتنظيف الشعبي لجعله جذابًا تجاريًّا قدر الإمكان على تنظيفه جماليًّا.
عندما زرت المغني أحمد البرنس في
تصوير فيديو كليب شعبيات، اختار المخرج موقعًا خلابًا للتصوير: مجرى مائي وصف من الفيلات الفاخرة في القناطر، وهي منطقة ريفية على مشارف القاهرة. وهذا يتناقض مع الطريقة التي أدرج بها مغني الشعبي النظيف حمادة مجدي بوعي ذاتي علامات بصرية لـ"حياة الشارع" والأحياء الشعبية في الكليب الخاص به. لقد فهم البرنس وجود الممثلين والممثلات المستأجرين، فضلاً عن التغييرات الكثيرة في أزياء المغني والممثلين، على أنها علامات جودة تمثل الطبقة الراقية.
وفي حين عمل الوسطاء الثقافيون في القسم السابق ضمن هياكل إعلامية قائمة، فقد أنشأ مؤسسا شعبيات هياكل جديدة. وبذلك، يمكن القول إنهما يعيدان تقسيم الحدود بين الثقافة الراقية والمبتذلة، ويعيدان رسم خريطة نوع المحتوى الذي يُعتبر مناسبًا لوسيط معين. تشكلت ثقة المطربين في شعبيات، وتجلت قدرة الأخوين على إعادة تقسيم المحسوس كما هو موصوف أعلاه، من موقف وليد والجندي إلى الطبقة الوسيطة. وبهذا المعنى، فإنهما يشبهان "وسطاء ثقافيين" يصنعون الذوق وفقًا لبورديو الذي يرى
أن هؤلاء الوسطاء يتوسطون بين المنتجين والمستهلكين، فيقدمون السلع والخدمات الرمزية، ويصنعون القيمة بإضفاء الشرعية على أشكال ثقافية معينة. ويتسم العمل الذي يقومون به هؤلاء بطمسهم المتكرر للانقسامات القائمة، مثلاً بين الأشكال الثقافية التي تعتبر راقية ومبتذلة، وبين الذوق الشخصي والقيمة المهنية وهذا هو الحال بالتأكيد مع الأخوين شعبيات. فهما من ناحية، يسلطان الضوء على جذورهما في حي من أحياء الطبقة العاملة ومعرفتهما بثقافة الشارع عبر الموسيقى الشعبية باعتبارها مفتاح
نجاحهما؛ ومن ناحية أخرى، أصبح لديهما الآن مكتب في منطقة راقية في القاهرة، ومن الواضح أنهما كانا يمتلكان رأس مال كبير مكنهما في المقام الأول من إنشاء شركتهما. يرى المغنون المسار الصاعد الذي يتصوره الأخوان دليلاً على نجاحهما في عبور الطبقات الاجتماعية والعوالم الثقافية، ويثقان في أساليبهما في تنظيف الموسيقى الشعبية وتأكيد شرعيتها. ويلاحظ جافين ستينجو موقفًا مشابهًا في إثنوجرافيته لموسيقى الكوايتو في جنوب أفريقيا. فالكوايتو، مثل الشعبي، مرتبطة بالمناطق المهمشة اجتماعيًّا واقتصاديًّا من المدينة.
ويزعم أن أفراد الطبقة المتوسطة السوداء-وهي مجموعة اجتماعية تُعرف باسم "الماسات السوداء"- يخلقون شبكات مؤسسية وتنظيمية تنتج الكوايتو التجارية وتجعلها صالحة للتداول. وهم يتصورون البلدات المهمشة موطنًا لهم، لكنهم ابتعدوا غالبًا وأصبحوا الآن قادرين على "التنقل بسهولة بين البلدة والضاحية وبين الطبقات الاجتماعية المختلفة". وتمكن هذه القدرة على الحركة والترابط الماسات السوداء من لعب دور رئيسي في إنتاج "سلع موسيقية تتداولها بعد ذلك طبقات اجتماعية متنوعة"،
بطريقة مماثلة لما يفعله وليد والجندي في شعبيات. وكما أعتقد، يجد ستينجو أيضًا أن عمل رانسيير مفيد لفهم هذه العملية، مدعيًا أن الكوايتو تمثل "تقسيم المحسوس" عند رانسيير، ويزعم ستينجو أن "الكوايتو ذات صلة، أو تعبِّر عن عدم المساواة الاجتماعية الاقتصادية
لهذا، تربط الكوايتو على الفور بين مجموعات من الناس ويعمق الانقسام بين هذه المجموعات بوضوح". ويمكن قول الشيء نفسه عن الشعبي. ومع ذلك، بينما يزعم ستينجو أنه بفضل جهود الماسات السوداء "من خلال مشاركة تجربة جمالية، يتمكن
مستمعو الكوايتو من تعليق الخصومات الاجتماعية والدخول في مجتمع افتراضي"، فلا يمكن قول الشيء نفسه بشكل مباشر في السياق المصري. أولاً، على الرغم من نجاح شعبيات بلا منازع في مساعدة الشعبي على الوصول إلى جماهير خارج سياقات أدائها المباشر، لا يمكننا أن نستنتج من هذا أن "التجربة الجمالية" مشتركة بين جميع المستمعين.
المكاسب والخسائر
ومع أن موسيقيي الشعبي اعتبروا الكليبات الشعبية "نظيفة"، فإن هذا لم يكن رأي الجميع، عندما سألت رضوى
عن رأيها في كليبات شعبيات، كانت ناقدة.. وجدتها مبتذلة، ذات حبكات غير مبتكرة وصور فجة، وهو المتوقع من شركة إنتاج موسيقى شعبية، ولا يشبه على الإطلاق الشعبي النظيف الحقيقي لمطربين مثل حكيم. كما أن شعبيات بعرضها الكليبات الشعبية فقط، تعمل على عزل الأسلوب، وترسيخ حدود النوع، وكما رأت، تمنع الكليبات المميزة من العبور بشكل نهائي إلى منطقة شرعية. وأخيرًا، فمجرد أن الأخوة شعبيات والسبكية يؤكدون على جذورهم في الأحياء الشعبية أي يضعون أنفسهم في موقع "المطلعين" جزئيًّا على
المشهد الشعبي، على عكس الوسطاء في الجزء الأول من المقال- فهذا لا يعني أن علاقاتهم بالمطربين أكثر إنصافًا على الدوام. فهؤلاء المنتجون لديهم الدافع للاستثمار في الكليبات الشعبية وتنظيفها لأسباب تجارية. مثلاً يستغل الأخوان السبكي نجاح المطربين الشعبيين القائم، فيعيدان تقديمهم من أجل جذب أكبر عدد ممكن من الجمهور ومضاعفة مبيعات تذاكر أفلامهما، في حين أن الأخوين شعبيات واضحان في أن هدفهما الأساسي هو جعل العمل مربحًا. ومن المعروف أن السبكية يدفعون للمطربين مبالغ زهيدة جدًا
مقابل الظهور في الأفلام. وأخبرني العديد ممن حاورتهم أن أحمد شيبة تقاضى ٢٠٠ جنيه مصري فقط لتسجيل أغنيته الناجحة "آه لو لعبت يا زهر"، وأن السبكية يشترطون على المطربين التنازل عن حقوقهم في أغنياتهم، وهذا يعني أن شيبة لا يتلقى أي عائدات مقابل ملايين المشاهدات على يوتيوب والعروض التليفزيونية التي حصدتها أغنيته؛ وتذهب جميع الأرباح إلى شركة إنتاج الفيلم. وعندما سألت شيبة عن هذا لم يبد أي شكوك: فالدفعة التي منحته إياها شهرته تترجم إلى طلبه في المزيد من حفلات الأفراح والملاهي
الليلية ويمكنه أن يتقاضى مبالغ كبيرة أكثر مما اعتاد أن يتقاضاه، ومن ثَم يضمن له الدخول إلى مساحات أكثر نخبوية. لذلك، على الرغم من أن محاوريّ يميلون إلى التعامل مع أفلام السبكي على أنها حسَّنت سمعة الشعبي من خلال دفعه نحو أماكن وجمهور أكثر فخامة بفضل مظهره وصوته المصقول، يجب فهمها أيضًا باعتبارها تعزز التفاوت، إذ يستغل صناع الأفلام المطربين سعيًا وراء الربح. كما لفت الخشاب الانتباه إلى ممارسات العمل الاستغلالية التي يتبعها السبكية بين العاملين في مجال الأفلام، مثل النصب
عليهم في الأجور، ومطالبتهم بأعمال إضافية، وإثبات نقطة ذات صلة: وهي أن الصراعات على "الشعبية" تجري على أراضٍ متعددة وبطرق متناقضة على ما يبدو. وبالمثل، مع أن الأخوان شعبيات يعدان المطربين بفرصة الشهرة من خلال خدمة إنتاج وتوزيع الڤيديو كليب، فهذا يأتي على حساب نفقات شخصية كبيرة. إذ يدفع المطربون مقابل تسجيل الكليب، ثم يتعين عليهم أن يدفعوا مجددًا لعرضه على القناة. وقد عرفت مطربين أفلسوا تقريبًا لتسجيل كليب، لكنهم لم يتمكنوا من جمع ما يكفي لعرضه فعلاً.
ومثلما هو الحال مع كليبات السبكي، فالمطربون الذين يستخدمون خدمة إنتاج الكليبات هذه لا يحتفظون بحقوق أغنياتهم: إذ تمتلك شعبيات الأغنية. وهذا يعني أنه إذا نجحت الأغنية وحظيت بمشاهدات على قناتهم على يوتيوب، فإن شركة شعبيات هي التي تربح ماليًّا، وليس المطرب.
سألت وليد عن هذه النقطة، ورد بلا مبالاة: "نعم (حق الانتفاع) هذه هي الطريقة الشعبية: لدينا الحقوق، لكن المطربين يستفيدون بطرق أخرى... نجعلهم منتشرين ومعروفين على نطاق واسع، حتى يتمكنوا من العمل في عشرة
أماكن في الليلة بدلاً في مكان واحد؛ ويحصلوا ألوف الجنيهات في الأفراح لا مئات الجنيهات". بهذا المعنى، تتعزز الانقسامات القائمة على المواقف الاقتصادية، ولا تتجاوزها: إذ يجد مغنو الشعبي، المهمشون بالفعل داخل الصناعة، أنفسهم مستغلين أكثر. ولكن بينما في مواقف مماثلة أنتج استغلال شركات التسجيلات الكبرى في أمريكا فناني هيب هوب مفلسين ومعوزين وممرورين"، لم يعرب فنانو الشعبي عن أي قلق، بل أظهروا امتنانهم لفرصة أتاحت لهم دخول التيار التجاري الرئيسي Mainstream.
خاتمة
تُعقِّد المحاولات المختلفة لتنظيف ونشر الموسيقى الشعبية التي نوقشت في هذا المقال التعريفات الشائعة للشعبي باعتباره ببساطة موسيقى متدنية المستوى للطبقات الدنيا، المعارضة ضمنيًّا للثقافة الرفيعة التي ترعاها الدولة. وقد شارك هؤلاء المنتجون الثقافيون من القطاع الخاص في تنظيف الشعبي بطرق مميزة لأسباب تجارية وجمالية، وبذلك أعادوا تشكيل معالم ما يعتبر "رفيعًا" أو "مبتذلاً"، وذلك نوع الموسيقى التي تعتبر مقبولة في مساحات اجتماعية معينة. هذه العملية، حيث يتم "تنظيف"
شكل ثقافي شعبي مرتبط بالطبقات العاملة لجمهور أوسع من نخبة ليست فريدة من نوعها في مصر. يمكن للاعتراف بمستويات متعددة يلعب بها هذه الصراعات في حالة الشعبي أن يقدم نموذجًا لفهم مثل هذه المواقف الأخرى، وتسليط الضوء على كيفية توسط الموسيقى للاختلاف، وغالبًا ما تكون في مركز الصراعات الأوسع حول كيفية تشكيل وإعادة تشكيل فئات وحدود "الشعب" و"النخبة". وأرى أن ازدهار الشعبي النظيف عبر الانقسامات الاجتماعية لا يكشف عن عبور مباشر للحدود الطبقية. كما لا يكشف عن استيلاء مباشر على مجازات
الشعبي بالتركيز على الطريقة التي تقدم أصوات جديدة، أو تجديد أصوات قديمة محملة بارتباطات سابقة وسماعها مجددًا، وأن هؤلاء الوسطاء الثقافيين يسهمون في إرساء حس مشترك جديد لما يمكن قوله ولما هو مرئي. كانت عملية تنظيف الشعبي مشروعًا طويل الأمد، لكن ليس مصادفة أن كل الأمثلة المذكورة أعلاه بدأت تكتسب زخمًا في السنوات التي أعقبت ثورة ٢٠١١ مباشرة، وقت كانت الأجواء مهيئة لتكوينات جديدة من مواقف ثقافية طبقية وانقسامات عليا/ دنيا. مثلاً، اعتبر وليد ثورة ٢٠١١ الدافع الأساسي لإنشاء شعبيات. وأنه بعد الثورة كان
هناك "ريفريش" للموسيقى والمجتمع عمومًا، وأنه لمس رغبة متجددة وأوسع بين الجمهور لاستماع للموسيقى الشعبية. وبوضع هذا في الاعتبار، أود أن أنهي بالعودة بإيجاز إلى رانسيير ومناقشته للعلاقة بين الجماليات والسياسة. وهو يقترح ثلاثة احتمالات لفهم العلاقة بين الفن والحياة اليومية، كل منها ينتج تكوينًا مختلفًا للجماليات: "يمكن للفن أن يصبح حياة. وللحياة أن تصبح فنًا. ويمكن للفن والحياة تبادل خصائصهما". ومن المهم النظر في هذه الاحتمالات فيما يتعلق بمن يشاركون في تنظيف الشعبي. يمكن رؤية التكوين الأول، الفن الذي يصبح حياة، في جهود
تقودها الدولة، مثلاً بإنشاء محطة راديو شعبي إف إم في ٢٠١٤، التي لا تبث سوى أغنيات شعبية أقدم وأكثر تقليدية دون ألفاظ خارجة. أو على الأقل تأمل الدولة بأچندة الثقافة الرفيعة التي تروج لها "سيصبح الفن حياة". في الوقت نفسه، يميل مغنون طموحون مثل أحمد البرنس للحلم بأن تصبح الحياة فنًا، وفقًا للتكوين الثاني. لكن واقعيًّا وباستثناء قلائل محظوظين مثل حكيم، نادرًا ما تتحقق هذه النتيجة. وأخيرًا، التكوين الثالث وأزعم أنه الأكثر وضوحًا في هذا المقالة: يمكن للفن والحياة تبادل خصائصهما. بتسليط الضوء على التوتر الإنتاجي القائم
بين تطلعات الثقافة الرفيعة والإنتاج الموسيقي اليومي. أو وفقًا لرانسيير: "يمكن اعتبار أعمال الماضي أشكالاً لمحتويات جديدة أو مواد خام لتشكيلات جديدة. ويمكن إعادة النظر فيها وإعادة صياغتها وإعادة قراءتها وصنعها". يعاد تعريف مفاهيم الراقي والمبتذل باستمرار، وتخترق التجربة الجمالية الانقسامات الاجتماعية وتعيد تشكيلها، وهذا ليس مجرد توجه بعض من ينحتون مساحات مختلفة بالاستماع لموسيقى مختلفة، بل بالأحرى كيف يُنظر إلى الواقع السياسي بشكل مختلف عندما يطالب الناس بمساحة معينة، ويقترحون طرقًا جديدة للوجود
والتواصل، فالمساحات التي تكتسب من خلال هذه النضالات ليست ملموسة مثل التي اكتسبت، مثلاً، عندما نزل الثوار للشوارع في ٢٠١١، والتحولات في تصورات الواقع السياسي ليست واضحة تمامًا. ولا تكون المساحات الناتجة بالضرورة أكثر عدالة: في بعض النواحي، تعزَّز الحدود القائمة مسبقًا. لكن الاهتمام بكيفية تطور هذه العمليات يظهر كيف يتم التفاوض باستمرار على الانقسامات بين "النخبة" و"الشعبي"، وعبر نضالات أصفها بأنها تجسد مواقف ثقافية طبقية جديدة وتعيد رسم الحدود.