في حواره مع وائل عبدالفتاح يحكي سمير فريد عن هزيمة ٦٧ وصخب ٦٨، وتشكل وعي جيل رأى العالم يتصدع أمامه. فكيف صاغ رؤيته بين الحلم والواقع؟ وكيف حول السينما إلى مساحة للاشتباك مع السياسة والتاريخ؟
"كانت ١٩٦٨سنة حاسمة في حياتي".
هكذا قال لي سمير فريد في بحر كلام طويل عن حياته، والآن بعد مرور أكثر من خمسين عامًا، وبينما رحل سمير فريد إلى عالم مختلف، اكتشفت أن ٦٨ هي أحد أسرار الرغبة وراء الحوار الذي أتى في إطار كتاب تكريمه من المهرجان القومي للسينما (٢٠٠٥).
سمير فريد مغامر، يتململ في أحوال كثيرة من الجو العام، ويرى نفسه أبعد قليلاً أو كثيرًا من "المحلي"، ولهذا بدأ النقد السينمائي من عنده تقريبًا، لأنه ابن مسافة أسهمت في تعميقها ٦٨
التي كانت انتفاضة كبيرة في فرنسا، ارتفع فيها صوت الشباب ضد شيخوخة
النظام السياسي والاجتماعي، لكنها اتسعت عن أن تكون مجرد حركة احتجاج شبابي، ربما لأنها ظلت مخلصة لجانبها الثقافي فلم تُهزم تمامًا مع إحباطها السياسي، ومثل الشظايا أعادت تكوين صورة العالم عن نفسه، ولذلك كان وجودها في الثقافة والفن والمجتمع أعمق.
وإعادة تقديم حواري المطول جدًّا مع سمير فريد، يبغي أكثر من مجرد إحياء دور ومكان مَّن خاض "مغامرة النقد"، وبالتحديد معرفة أكثر عن ذلك العالم الذي يكاد أن يكون شبحيًّا، في ظل لحظة عنيفة تفرض الوهم الثقيل بأن الزمن يبدأ وينتهي عندها.
قبل أن يبدأ الحوار
"نعم أنا فلاش باك"!
لم يعترض سمير فريد على سؤالي... بل بدا فخورًا أنه يستعيد لحظات براقة من زمن يراه جميلاً. وبعد أن أغلقت التسجيل أكمل إجابة السؤال "كل من وصل إلى الستين"... لا بد أنه يعيش أيام فلاش باك. هل الفكرة تتعلق فقط بالعمر؟ ربما كان ذلك ملمحًا عموميًّا عند أعضاء نادي الستين وما فوقها، لكنها عند سمير فريد لها تفاصيل مختلفة تخصه وحده. أو هو وجيل رأى أنه كان على مقربة من تغيير العالم.. وأفاق من الحلم الكبير الفخم على كابوس مؤلم في ظهيرة يوم ٥ يونيو ٦٧.
لن يتحدث سمير فريد ولا أحد من جيله إلا وتسمع ذكرى تلك الظهيرة الحارقة. هي تاريخ خاص ولحظة لا يمكن المرور عليها، هزيمة عسكرية، وضحايا من رفاق المدرسة والشارع وعلامة محفورة في الوعي وذاكرة المشاعر الساخنة.
سمعت من سمير فريد تعبيرًا جديدًا "فترة ما بين الحربين". ويقصد السبع سنوات بين يونيو ١٩٦٧ وأكتوبر ١٩٧٣ وبينهما كانت إيقاعات ثورة شباب أوروبا في مايو ١٩٦٨، التي تجد صداها في تمرد شباب مجروح في القاهرة، و"بين الحربين" كانت فترة القلق والارتباك والتمرد أيضًا، والخوف.
سمير فريد مع حميد بناني في بيروت ١٩٧٢ - أرشيف مدينة الرقمي
"البحث عن مكان والتمهيد للدخول في غيبوبة ما بعد توقيع اتفاقية فض الاشتباك الثاني".
هكذا يحكي سمير فريد وجيله تاريخه الشخصي متقاطعًا مع تاريخ عام وحدث سياسي. تكلمه عن السينما فيقودك للسياسة، تشير إلى عبد الناصر فيسحبك إلى حكاية عن صلاح أبوسيف أو توفيق صالح. ومع أنه يكتب مقالات سياسية تلعن حكم چنرالات يوليو ١٩٥٢، لكنه واحد من مدمني النوستالچيا إلى الستينات.
نوستالجيا تجعله يرتب حياته علي طريقة " الفلاش باك".
1
"عدت إلى مصر يوم ٢٧ مايو. وجدت الدبابات في مطار القاهرة"، هكذا حكى هكذا حكى سمير فريد عن عودته من أول مهرجان (كان) يحضره. مايو ١٩٦٧. لحظة الخروج من القاهرة إلى المدينة الممتدة على شاطئ الريڤييرا. كانت لحظة اتساع المشهد لشاب ٢٣ عامًا لم يسافر خارج القاهرة، ولم يعرف أبعد من خطوط مسار طالب مجتهد في معهد المسرح (بالزمالك)، ثم صحفي بالجمهورية (بشارع نجيب الريحاني/ وسط البلد). هي صدمة (كان)؛ السينما. وأوروبا؛ جنة الثقافة والحرية. و"اتساع الدنيا". اتسعت الدنيا بسبب
السينما. ولمس الشاب المشحون بالأفكار النبيلة وتصاوير "المدن الفاضلة" أطراف عالم لم يكن يحلم به.عاد قبل الهزيمة بأسبوع تقريبًا "ما إن وصلت إلى منزلي حتى أدركت ملامح الجو العام. وفي اليوم التالي ذهبت إلى الجمهورية وخرجت إلى وسط البلد فوجدت أهرامات من اللافتات تسد عين الشمس كما يقولون. ووجدت عند "البن البرازيلي" في شارع فؤاد ملصقًا للفنان طوغان به حذاء جندي مصري يضغط على رقبة عسكري إسرائيلي.. انزعجت من (الجو العام) وقلت لمحدثي ما هذا الجو الفاشستي فرد علَّي غاضبًا: ذهبت أسبوعين إلى أوروبا وتعود لتتحدث مثل