سمير غانم: ميتامورفوسس

عالم مليء بالقهقهات

سمير غانم: ميتامورفوسس

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

كيف غيب الموت عالم سمير غانم المليء بالضحك والقهقهات والهزل وهو الذي لم يأخذ الحياة على محمل الجد ورقص حتى الثمالة بين خرائب الواقع؟

Prelude
حالة جزع تجتاحك عندما تقرأ أن سمير غانم قد مرض وأن جسده المنهك موصول بخراطيم الأكسجين تحاول أن تمنحه قبلة الحياة لكن المرض قد استشرى في الجسد المنهك المسن فاستسلم له.. حالة الجزع تجعلك تهرع في متاهة ذاكرتك لاهثًا تفتح كل الأبواب والأدراج مرة واحدة باحثًا عن كل ما تعرفه عن رجل خلق بداخلك حالة من الألفة تجاوزت كونه ممثلاً كوميديًّا، حتى أصبح مستقرًا بداخلك كرفيق عمر وقرين كؤوس ممتلئة بشوتات سعادة تجترعها على دفعات وواحة تستظل بها من إنهاك الحياة.

هناك عالم سمير غانم المليء بأغان وقهقهات وألوان هادئة وفاقعة وحركة متعرجة كان يرقص بها على المسرح فتنتشي معه وتحس أن يرقص لنفسه لا للجمهور، وهناك العالم طبقًا لسمير غانم أو برواية سمير غانم The world according to Samir؛ وهو العالم الذي ترفع فيه راية الهزل ويصبح الهتاف لا لسياقات آنية لحظية بل مقترنًا بالضحك حتى الشبع والامتلاء، عالم تنهزم فيه شعارات رنانة جوفاء وتتكسر على صخرة الفارس الخالص. كم من شعارات قيلت فقدت بريقها وفسدت بتعرضها لهواء الزمان، بينما لم يفسد الهزل الخالص، لأنه نزع قشرة

كان سمير يغير تمامًا في لزماته وإيفيهاته غير عابيء بالخط الدرامي للعرض، لاعبًا لعبته الأثيرة والجميلة في التجريب في الجمهور!

 الجدية المصطنعة فدام خالدًا لا يفنى. أوهام رفعها الناس على الأعناق في الستينيات، وسقطت على جدور رقبتها في السبعينات، وأصبحت خرائب ينعق فيها البوم في التسعينات حين أتينا الحكيم سمير يرقص بين تلك الخرائب يهزأ منها ومنا ومن نفسه، ويأتي لنا بجوقة مخلوقات عجيبة ترقص وتحاكي الفن بشكل مغرق في الجروتسك المتنافر أحيانًا؛ فيرقص مع عجائز مرتدين لملابس الأطفال ويرتدي صدرًا ينفجر في وجه الضباط، فيخرج من بين قدميه قزمًا قصيرًا يجري على المسرح، فيصاب الناس بالذهول وتنفجر ضحكات ممزوجة بالدموع والاستغراب!

مرض سمير جعلني أفتح في عقلية درفة منبعجة أبوابها من الاكتناز، ممتلئة بكاراكترات سمير، كما كان كاتب روايات روكامبول البوليسية يحتفظ بداخل صندوق في مكتبه بشخصيات رواياته مصنوعة من تماثيل صغيرة. فوجدت الذاكرة تحتفظ له بالكثير الذي يملأ صفحات عديدة، فتحتها لأني أردت أن ألتقظ صورًا فوتوغرافية من الذاكرة لكل لحظة جمعتني مع سمير سواء الشخص أو الممثل؛ ذكريات مرتبطة بمسارح الإسكندرية المختلفة؛ مسرح سيد درويش قبل أن تؤممه الأوبرا المصرية، وكانت الفرق المسرحية تؤجره لتعرض عليه فودفيلات الصيف الخفيفة

سمير وجورج بلا ألقاب...

سمير وجورج بلا ألقاب...

عندما كان المسرح الخاص له "مشنة ومرنة" بتعبير سمير غانم نفسه، عندما أضاف حرف الميم لـ"شنة ورنة" حتى صرت لا أستطيع نطق هذين الكلمتين في أي سياق إلا بطريقته اللوذعية.
شاهدت على هذا المسرح "أنا والنظام وهواك" التي كتبها عبد الرحمن شوقي. وعبد الرحمن شوقي هو أحد أهم من كتبوا لسمير في مرحلة احتاج فيها سمير لنصوص قوية متماسكة ترسم له صورة مختلفة عن الصورة الشائعة بأنه يقدم فقط كوميديا الفارس الخفيفة الشبيهة بالستاند أب كوميدي. وهو مخترع شخصية فطوطة التي نجحت نجاحًا مدويًا إلى حد أن سمير نفسه أعاد

تدويرها مرات ومرات في قوالب مختلفة، وكان يؤديها أحيانًا في عروض واسكتشات مخصصة للأطفال تقدم في أوتيلات القاهرة.
شاهدت سمير أيضًا على مسرح العبد بالإبراهيمية في مسرحية من أنجح مسرحياته الحديثة جماهيريًّا "أنا ومراتي ومونيكا" التي عرضت لسنوات عديدة، وكنت أجد لذة في أن أشاهد هذا العرض كلما هبَّ على الإسكندرية قادمًا مع حرارة الصيف فشاهدت العرض ٣ مرات، وفي كل مرة كان سمير يغير تمامًا في لزماته وإيفيهاته غير عابيء بالخط الدرامي للعرض، لاعبًا لعبته الأثيرة والجميلة في التجريب في الجمهور.

كأن الجمهور بالنسبة لسمير فئران لخلطاته وتركيباته الكوميدية كل يوم، ليضع يده على المناطق التي تجلب تفاعلاً أو تفجر الضحكات وتجيب "صريخ" من الصالة كما يقول أهل المسرح الخاص، الذين يقسمون الإيفيهات ما بين إيفيهات تجيب صريخ في الصالة، أو تجيب همهمات، أو تجيب جبس. والجبس هو العدو اللدود للكوميديان الذي قد يلقي إيفيه مثل الساحر الذي يخرج أرنبًا من قبعته وينظر إلى وجوه الأطفال فيجدها جامدة ساكنة قُدت من صخر، ما قد يحبط الساحر ويريق ماء وجهه، ولكن سمير خبر الجمهور وأنواعه وأنماطه.

اقرأ أيضاً

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية