لماذا تقتل النساء: قصة سميحة

في عدم اكتمال اللذة

لماذا تقتل النساء: قصة سميحة

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

لم تكن قصة سميحة التي قتلت زوجها مجرد جريمة قتل عادية، بل علامة لنتائج تغيرات اجتماعية واقتصادية أفصح عنها المجتمع شيئًا فشيئًا.. فما قصة سميحة؟

قبل أن أعبر البوابة الكبيرة التي تفصلنا عن سجن القناطر للنساء، سألت نفسي: لماذا جئت إلى هنا؟!
تذكرت هذه اللحظة مع الموجة الأخيرة لقصص “قتل الأزواج”؛ وهذا هو التعبير الذي تختصر به الصحافة التقليدية جرائم تقتل فيها النساء رجالاً، وبين القاتلة والمقتول عقد زواج رسمي. هذا النوع من الجرائم يثير الشهية والرعب. وصدمته تهدد الاستقرار المبني على احتكار الرجل للسلطة والعنف، والمرأة لموقع الضحية وانتظار منح التعاطف والمعاملة الحسنة. وأغلب الظن أن الصدمة تأتي من تحكم الرواية التي تسود بها “الذكورية” والنظام الأبوي إلى درجة تضعها في مرتبة الأقدار الإلهية، 

والخروج عنها يهز عرش الكون.
القتل طبعًا ليس مجرد خروج عادي، بل تهديد خطير، لا بد من السيطرة عليه بتضخيمه، أو بالسخرية من “انقلاب العالم” الذي يجعل الأزواج المساكين ضحايا للمرأة المتوحشة المتمردة على “قانون الطبيعة”. العنوان يغلب الرغبة في المعرفة والإدراك، لنفهم من انتشار “قتل الأزواج” أنها قصة واحدة تتكرر، عن توحش المرأة واستكانة الرجل.
على الرغم أن كل منها قصة تقول لنا شيئًا كبيرًا عن العلاقات بين الرجال والنساء، وطبيعة “مؤسسة الزواج” والتناقضات الفائرة داخل العقل والجسم البشري، وركود الحدود وضوابط يضعها المجتمع من أجل

هذا النوع من الجرائم يثير الشهية والرعب. وصدمته تهدد الاستقرار المبني على احتكار الرجل للسلطة والعنف

استقراره.
وتقول أيضًا إن القاتل/المجرم الذي يظهر فجأة ليس مفاجئًا، بل هو بخار مكتوم يتشكل عبر سنوات الضغط والقهر والكسل عن التفكير في النظرة والقيم والأخلاق الحاكمة للعلاقات بين البشر في المجتمع. المجتمع المحافظ ينسى دائمًا الديناميكية بين الثابت والمتغير، والقديم والجديد. ويرى في كل تغير أو تقدم أو مستجد خطر يبشر بالهاوية والضياع. المجتمع المحافظ مثل الديناصورات يفقد القدرة على الرؤية والتفكير والتحليل، مكتفيًا برفع رايات الخوف والتمسك بالثوابت، مع كل ظاهرة جديدة نسمع صيحة الديناصور قبل انقراض يحدث تدريجيًّا. 

تتحلل المجتمعات العاجزة عن التفكير في أننا كائنات قديمة نعيش كل يوم تغيرات رهيبة. وتدمن هذه المجتمعات الحياة وسط تعفنها بدلاً من الثورة والتمرد من أجل إنسانية أرقى وأكثر حرية وفهمًا.
كان من الطبيعي أن يشعر المجتمع بالرعب عندما قتلت سميحة عبد الحميد زوجها ووزعت جثته على أكياس بلاستيكية، لتكون أول قاتلة تتجاوز القتل إلى الإخفاء في البلاستيك. لكن المجتمع نفسه لم يسأل: لماذا قالت سميحة للصحف إنها لم تشعر بالندم؟
لم تثر قصتها الاهتمام بفهم طبيعة المجرم الكامن في أعماق رومانسية حالمة.

 سميحة تدخل غرفة الإعدام

سميحة تدخل غرفة الإعدام

وهذا ما حاولت فهمه عندما زرت سجن القناطر، وكانت سميحة نجمة عنبر “القتالات” (كما يطلقون عليه). رغم أن حكم الإعدام نفذ فيها قبل ربع قرن من زيارتي.
حكاية الزيارة
في أحد أيام أغسطس عام 2004 خطفتني فكرة زيارة سجن النساء؛ وتحديدًا من أجل اللقاء مع القاتلات. نوسة أول سجينة رأيتها في القناطر، لم أعرف أنها مسجونة الا بعد فترة، كانت تتحرك بخفة ونشاط، وتضع على رأسها طاقية رياضية تحمي من الشمس.. أي أنها من المنتمين إلى الخارج، هي المشرفة على البوفيه، وقد طلب المأمور منها أن تجهز لنا نزيلات للحوار.

بدأت في التفاوض مع “أبلة ميرفت” المشرفة الاجتماعية، التي أخذت تستعرض الأسماء واحدة تلو الأخرى “ناهد.. هناء.. سميرة”، وفجأة توقفت ونظرت إلينا “ما تعملوا مع نوسة”، عرفنا أن نوسة واحدة من أقدم نزيلات عنبر القتالات، وتعتبر مفتاح الخريطة السرية للسجينات. كانت تتحرك عبر الباب الموصل إلى ساحة العنابر حين سمعت اقتراح المشرفة وردت من مكانها “بلاش أنا والنبي.. آخر مرة عم الولاد منعهم من زيارتي.. وأنا قربت أخرج”.. حركتها لم تتوقف، وكانت وقتها تساعد إحدى السجينات على الوصول إلى ابنها الذي جاء للزيارة، وكانت تريد أن تلمسه بعيدًا عن القضبان. 

نوسة كانت خفيفة في الحركة وسط وجوه تصلبت على الأسلاك الشائكة، تنظر من بعيد على صالة الزيارة والأكياس المتخمة بالبضائع، ورجال ونساء وأطفال في صالة تشبه صالات جمارك بورسعيد، أو مكاتب الموظفين في الشهر العقاري حيث كل فرد يحتاج نفس الشيء في نفس اللحظة وبسرعة أكبر مما يحتمل المكان. كل زائر يعبر البوابة الكبيرة بعد أن يضع الحارس الخبير الختم على إحدى يديه، ودون هذا الختم يمنع الزائر من العودة العكسية من نفس البوابة التي لا يفتح فيها سوى باب صغير لمرور الضباط والحراس والأطباء والزوار في موعد الزيارة. 

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية