روزفلت مونتاس: الكتب للمحرومين؟

أدوات تخريب الهرم الاجتماعي

روزفلت مونتاس: الكتب للمحرومين؟

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

هذا مقال عن الكتب.. لكنه كذلك عن التعليم وأهميته وفاعليته في زمن النيوليرالية.. فكيف يصنع التعليم فرقًا بين طبقة وطبقة؟!

كنت طالبًا في المدرسة الثانوية، وما يزال إتقاني للغة الإنجليزية متزعزعًا، حين وجدت مجموعة من حوارات أفلاطون في كومة قمامة بالقرب من منزلي في حي كورونا بمنطقة كوينز. نشأت في بلدة جبلية في جمهورية الدومينيكان وهاجرت إلى مدينة نيويورك قبل عيد ميلادي الثاني عشر بقليل. كانت والدتي قد غادرت جمهورية الدومينيكان قبل بضع سنوات، وأمَّنت الوظيفة الوحيدة التي تمكنت من الحصول عليها، لتكسب الحد الأدنى للأجور في مصنع ملابس، وقدمت التماسًا كي أنضم أنا وأخي إليها. في عام 1985، التحقنا بنظام المدارس العامة المكتظة بمدينة نيويورك..

حيث وفرت وجبات الغداء المجانية جزءًا كبيرًا من قوتنا. كنا مثل كثير من المهاجرين، فقراء، ظهورنا مكشوفة، ومرتبكين جراء اقتلاعنا من جذورنا. لم تكن بداية ميمونة للمسيرة المهنية التي كنت سأحظى بها كطالب ومسؤول أكاديمي وعضو هيئة تدريس في إحدى الجامعات المرموقة.
لكن الرحلة المتقلقلة أصبحت، في مرحلة ما، أقل إعاقة وأكثر فرادة من منظور واسع متميز يمكن من خلاله التفكير في العالم الفكري والاجتماعي الذي دخلته. تغذى تطوري بالتعليم بما يسميه بعض الناس “الكتب العظيمة”. لقد جعلني هذا التعليم حساسًا تجاه النقد المؤثر ثقافيًا..

تغذى تطوري بالتعليم بما يسميه بعض الناس “الكتب العظيمة”..

لـ “القانون المقدس” الذي يصر على أن هوميروس، وسوفوكليس، وأفلاطون، ومونتين، وسيرفانتس، وجوته، وهيجل، ودوستويفسكي، وولف، وآخرون، ليسوا لأشخاص مثلي، بل للبيض، أو الأغنياء، أو الأشخاص الذين ولدوا بامتيازات طبقية افتقرت إليها. في مجموعة محاورات أفلاطون التي أنقذتها من كومة القمامة في تلك الليلة الشتوية في كوينز، صادفتُ رجلاً مسنًا يُدعى سقراط في أيامه الأخيرة. كان يدافع عن نفسه ضد اتهامات إفساد الشباب وإدخال آلهة جديدة إلى المدينة. واحتج قائلاً: “رجال أثينا، أنا ممتن وأنا صديقكم، لكن ما دام بي نفس يتردد وما دمت قادرًا، فلن أتوقف عن 

ممارسة الفلسفة، وعن أن أهيب بكم… [يسأل] ألا تخجلون من لهفتكم على امتلاك “قدر ما تستطيعون من ثروة وسمعة وأوسمة، بينما لا تهتمون ولا تفكرون في الحكمة أو الحقيقة، أو أفضل حالة ممكنة لأرواحكم؟ بنهاية مجموعة المحاورات، نجده في السجن في اليوم المحدد لإعدامه، “بهدوء وسهولة” يشرب السم، يستلقي، ويموت: “كانت هذه نهاية رفيقنا”، كما يقول الراوي بضمير المتكلم، “رجل، يمكننا أن نقول، إنه كان الأفضل من بين كل من عرفناهم، وأيضًا الأكثر حكمة واستقامة”. لم أكن بحاجة إلى أن أكون غنيًّا، أو صاحب امتيازات، أو مثقفًا لأجد في تلك الكلمات شيئًا يخاطب

أعمق معاني كياني.
ولم أكن بحاجة إلى أن أكون أبيض أو أوروبيًّا حتى أذهل من الزعم بأن “حياة لم تُختبر لا تستحق أن تُعاش”. في كل صيف منذ عام 2009، استخدمت هذه الحوارات الأفلاطونية نفسها لتعريف طلاب المدارس الثانوية من ذوي الدخل المنخفض، الذين يأملون في أن يكونوا أول من يلتحق بالجامعة في عائلاتهم، بالتقاليد الفلسفية والأخلاقية والسياسية التي ألهمها سقراط. في كل عام، أرى طلابي مهيئين لاختبار ذاتي جاد، وفي كثير من الحالات، لإعادة توجيه حياتهم بإخلاص واستمرار. إنهم لا يرون ثيوسيديدس، وأرسطو، وهوبز، ولوك، والنصوص الأخرى التي ندرسها.

استخدمت الحوارات الأفلاطونية نفسها لتعريف طلاب المدارس الثانوية من ذوي الدخل المنخفض!

 كائنات غريبة تنتمي إلى آخرين، ولكن مفكرين يتحدثون بصوت حي عن قضايا ملحة وذات صلة بتجربتهم الخاصة.
مرة بعد أخرى، أرى هؤلاء الشباب يفيقون على مصدر تقدير الذات ومعنى غير مكبل بالقيود المادية التي اكتنفت حياتهم بطريقة أخرى. تضيع القوة التحررية لـ “القانون المقدس” بسهولة في الضباب النظري للعلوم الإنسانية الأكاديمية. في الوقت نفسه، كانت مؤسسات التعليم العالي على استعداد تام للتخلي عن فكرة التعليم الليبرالي -التعلم كهدف في حد ذاته- لصالح الدراسات المهنية والمتخصصة. لكن الكلاسيكيات القديمة لا تزال تتمتع

بالقدرة على تحفيز الشباب وتغييرهم بطرق لا يستطيع أي تعليم تقني القيام بها. لا يتعين علينا تخفيف القيمة العملية للتعليم العالي أو تجاهل رؤى العلوم الإنسانية الأكاديمية لاستعادة حيوية التعليم المتحرر في كلياتنا وجامعاتنا.
في عامي الأخير بالكلية، حضرت حلقة دراسية عن الأدب المقارن مع أستاذة الأدب جاياتري سبيفاك. في ذلك الوقت، كنت منغمسًا فيما يُسمى على نطاق واسع “نظرية”، وملهمًا بالتفكيكية الفرنسية، كنت أكتب رسالة علمية عن أطروحة القديس أوغسطين حول التفسير الإنجيلي De doctrina christiana (c397-426 CE). 

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية