الغرفة 304

كيف اختبأت من أبي العزيز 35 عامًا

الغرفة 304

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

تحت مظلة المحبة يستكشف عمرو عزت علاقته بأبيه، وبعد محاولات للاختباء والاختلاف يخلُص إلى أن الأبوة هي الضامن الأساسي لكي يكون الكائن الجديد إنسانًا!

1997
كنت أعلم أن أبي يدخل إلى غرفتي أحيانًا في غيابي ويفتش في أوراقي وكتبي، لذا كنت أخبيء أوراقي المقلقة في الأرفف العالية التي تتضمن كتبه وكتالوجاته القديمة التي نادرًا ما يعود إليها، خبأت هناك الأبحاث الفقهية أو العقدية التي يطلبها مني شيخي السلفي، أوراق الإعداد لمجلات الإخوان المسلمين، أي مطبوعات قد يبدو لأبي أنها “خطيرة”. كان قلقًا جدًا وكنت وقتها أكثر قلقا منه، أعد نفسي للاعتقال والاستجواب والتعذيب.
بكيت أكثر من مرة ليلاً لظني أنني ربما قد أكون أضعف من احتمال ذلك، كنت قد قرأت شيئًا عن تعذيب الإسلاميين في

مقال في جريدة ما، كان مقالاً عن شاب تم اعتقاله بالصدفة في صلاة الفجر في مسجد كانت تنشط فيه “الجماعة الإسلامية” في إمبابة. بكيت ثم تمالكت نفسي وتوضأت ونزلت لصلاة الفجر. التقيت صديقًا كنت ألعب معه لعبة مسلية، نستكشف كل أسبوع مسجدًا مختلفًا من المساجد الكثيرة الموجودة بالمنطقة، وذهبنا إلى مسجد مختلف، كان رواده بسطاء رأوا لحانا الخفيفة وسألونا إن كان أحدنا يجيد قراءة القرآن فقدمني صديقي – اعترافًا بكفاءتي في التجويد وأيضًا بقدر من المزاح المرتبط بلعبتنا في اسكتشاف المساجد – فكنت إمامهم وأعجبوا بقراءتي للقرآن وإتقاني لأحكام التجويد 

في طريق عودتي وجدت جارًا يجري ناحيتي ويخبرني أن أبي “قلب الدنيا” بحثًا عني منذ صلاة الفجر!

فأصروا على أن نجلس قليلاً نقرأ القرآن ونصحح لهم. جلسنا قليلاً وتفقدت مكتبة المسجد فوجدت فيها كتبا للإخوان المسلمين فسألت أحدهم عن المسئول عن المكتبة فأخبرني أنه معتقل وأنهم لم يفتحوا المكتبة منذ اعتقاله وينتظرون عودته. خرجت مع صديقي اشترينا فطورًا وذهبنا لنفطر عند النيل ونشاهد شروق الشمس وتحدثنا عن نتائج الاستكشاف وعن نفوذ الإخوان المسلمين الهزيل في إمبابة مقارنة بنفوذ السلفيين وبقايا الجماعة الإسلامية.
في طريق عودتي وجدت جارا يجري ناحيتي ويخبرني أن أبي “قلب الدنيا” بحثًا عني منذ صلاة الفجر. عدت فوجدته ثائرًا، لم تكن مثل ثورته 

اللاحقة بسبب شكوى ابن مالكة البناية، ولكنه كان ثائر للغاية. صرخ فيّ أنني سأتسبب في موت أمي قلقا عليّ- كان دائمًا ما يتحدث عن قلق أمي بدلا من قلقه في مثل تلك المواقف، وأمسكني من ياقة قميصي بعنف وقال لي: اخرج من بيتي.
لم يضربني أبي قط، تلك المرة كانت الوحيدة التي اتخذ فيها ضدي موقفًا جسديا به شائبة عنف، لم أنتبه كثيرًا لمقولة “اخرج من بيتي”، راهنت نفسي أنه لا يقصد، وهو تجاوزها سريعًا، ترك ياقة قميصي وأمسك ذراعي وقال لي: “أعرف منين إنك ما اتقبضش عليك من صلاة الفجر زي ما بيحصل؟ إنت مش كنت بتقرا المقال دا قبل ما تنزل؟

إنت ما صلتش في الجامع القريب ليه؟ إنت لازم تقول لي بعد كدا إنت بتصلي فين”.
كان أبي قد عاد إلى البيت بعد الفجر ووجد الجريدة مفتوحة على المقال في غرفتي – ثغرة أفلتت مني – ولم يستطع النوم، انتظرني وعندما تأخرت بدأ الاتصالات وأوقظ أصدقائه العاملين في الشرطة وبدأوا في البحث عن مكان اعتقالي. “اخرج من بيتي” لم تكن جادة أبدا، ولكن عودتي إلى غرفتي في بيته بعد تلك المواجهات، كانت في مثل تلك المواقف ممتلئة شعورًا بالحصار، كما كانت ممتلئة شعورا بالأمان والعناية، لقد علم أبي من أصدقائه في الشرطة بعد ساعتين من صلاة الفجر أنه لم

لم يضربني أبي قط، تلك المرة كانت الوحيدة التي اتخذ فيها ضدي موقفًا جسديا به شائبة عنف!

تحدث حملات أمنية ذلك اليوم، أنا مطمئن بقدر ما أنه سوف يجدني وربما يخفف ذلك مما سيحدث لي، أنا قلق مثله وربما أكثر، لا أعرف إن كنت أود أن أفلت من عنايته أو أنني ممتن لأنني أحظى بها. تلك الثغرة كانت استثناء لم يتكرر كثيرًا، وفي معظم الأوقات كنت ماهرًا في الاختباء في غرفتي وفي إخفاء الأدلة والآثار التي تقود إلى نشاطي، الفكري أو العملي. كان عندما يفتقد أي أدلة إو إشارات يبدأ في التردد على غرفتي وأنا فيها، يحاول معرفة ما أقرأ تلك اللحظة، وعندما يطول اعتكافي في الغرفة مغلقا الباب منكفئًا على كتاب لا يبدو مقلقًا، رواية مثلاً، كان يبدأ مطمئنًا في المزاح من رغبتي في الهدوء

والعزلة لأوقات طويلة، يفتح الباب بعد أن يطرقه طرقات تمثيلية ويسألني: “الغرفة 304 عاوزة العشاء هنا ولا هاتتعشى معانا في المطعم؟”، فأبتسم وأقول أني سأخرج إلى المطعم، يوجه كلامه لأمي ويقول، بالرغم مما قلت، أن خدمة الغرف يمكنها إحضار العشاء إلى غرفة 304 بدلا من أن أنزعج بالخروج.
1978
عندما قرر عزت محمود، أبي، الزواج من هدى مصطفى، أمي، كان ذلك بعد مشادة بينهما احتد فيها أبي ورجعت أمي إلى البيت تبكي، فابتسم والدها الذي طالما أربكه ترفع ابنته على شبان المنطقة، وقال لها إن هذا زوجك. يحكي لي أبي أو تحكي لي أمي ذلك بابتسامة

اقرأ أيضاً

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية