هل للحيوانات علاقة بالسياسة؟ نعم، مؤلف هذا الكتاب يقول: لا يمكن لأحد أن يقول إن الحيوانات كائنات سياسية سوى رجل مجنون، وأنا هذا الرجل!
مقدمة المترجم “النمل المجنون يغزو سبع قرى هندية ويتسبب بأضرار كبيرة فيها”. كان هذا عنوان تقرير نشره موقع بي بي سي باللغة العربية في التاسع عشر من أغسطس هذا العام (2022) يتحدث عن معاناة مئات الفلاحين ورعاة الماشية في ولاية تاميل نادو، جنوبي الهند، بسبب مهاجمة النمل المجنون لماشيتهم ومحاصيلهم الزراعية، ما دفع كثير من القرويين إلى مغادرة قراهم. ونفهم منه أن النمل، واسمه العلمي “أنوبلوليبيس جراسيليبيس”، يُصنّف ضمن أخطر الأنواع الغازية، إذ أدّى سابقا إلى قتل ملايين السلطعونات الحمراء حين هاجم جزيرة الكريسماس الأسترالية، بعدما سبب لها عمى وإعاقة.
النمل الغازي شديد الخطورة، حتى إن أحد العلماء يصف جحافله في التقرير بأنها “حيوانات انتهازية. تأكل أي شيء وكل شيء”. وينتهي التقرير أخيرًا بإشارة إلى احتمال زيادة شهية النمل بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري. لا شيء في هذا التقرير يشير، ولو إشارة صغيرة، إلى الاستحالة البنيوية التي تسم حياة الفلاحة والرعي في ظل سياسات الليبرالية الجديدة التي أضحت تحكم العالم اليوم. فالتقرير يرسم صورة شبه حالمة لإنسان أصلي، يعيش بعيدًا عن شروط الحداثة، يقف أعزل ضد الطبيعة الغازية، ولا معين له سوى العلم والعقلانية في مواجهة النمل الذي أصبح يضيق عليه رزقه.
مشكلة القرويين وفقًا للتقرير هي مشكلة تقنية، وليست مشكلة سياسية واقتصادية واجتماعية أيضًا. ولن يكون من الصعب على القارئ أن يلمح صورتين نمطيتين يعيد التقرير إنتاجهما، الأولى هي صورة الطبيعة الغامضة المرعبة، والتي تعيش فيها كائنات انتهازية فقدت عقلها، وأصبحت تعيث في الأرض فسادا.
والثانية هي صورة الطبيعة النقية، والتي يعيش فيها قرويون وفلاحون ورعاة أبرياء. كتاب “الخنزير والزمن” للفيلسوف فهيم أمير، والذي نقدم هنا فصلاً منه، يجادل ضد تلك الصور النمطية والطرق “الإنسانية” في التفكير في الطبيعة.
فالطبيعة كما يسعى أمير لتقديمها ليست ضحية فحسب، ولا جانية فحسب، بل هي تاريخية بالأساس. تسكنها كائنات تعيش في الحداثة، وتقاوم شروطها المجحفة من داخلها. وفي كثير من الأحيان لا تكفّ هذه الكائنات عن المقاومة حتى بعد موتها. لا توجد طبيعة نقية يمكن العودة إليها عند أمير، وإنما هناك إصرار على فهم الأنماط العمرانية-الإيكولوجية الحالية، التي نعيش فيها جميعا بعد أن فقدنا براءتنا للأبد، بوصفها فرصة لظهور أشكال جديدة من التقاطعات بين نضالات البشر ونضالات الحيوانات من أجل البقاء على قيد الحياة.
والجنون في هذه التقاطعات ليس وضعًا صحيًّا، ولا مشكلة تقنية، بل هو أحد تمظهرات السياسة. يقول أمير في المقدمة التي كتبها للترجمة الإنجليزية لكتابه “لا يمكن لأحد أن يقول إن الحيوانات كائنات سياسية سوى رجل مجنون، وأنا هذا الرجل”.
لكن ينبغي فهم السياسة بشكل محدد في هذا السياق. فالسياسة التي يتكلم عنها أمير هي مقاومة الكائن لما هو مفروض عليه، أي مقاومته للانصياع إلى السلطة العقلانية التي تنظم مناحي الحياة المختلفة. هذا الفهم عن السياسة يختلف عن المفهوم السياسة القائمة على الاجتماعات، التي يعود جذرها إلى
polis اليونانية التي كانت حكرا على الرجال، ولا يشارك فيها النساء ولا العبيد ولا أي كائنات أخرى. الخنزير كائن سياسي لأنه يقاوم بعناد الماكينةَ التي تسلخه، حتى وهو ميت، كما سنرى في هذا الفصل المترجم. والحمام الذي يسكن المدن كائن سياسي يعبث بالفضاءات العمرانية فيها، ويعيد رسمها. والنمل الأبيض هو كائن أناركي لأنه استعمر المستعمِر، فهو استولى على أرض مدينة هامبورج في عشرينيات القرن الماضي عائدا مع المستعمِر في سفنه القادمة من أفريقيا. يتحاور كتاب “الخنزير والزمن” بعمق مع التقاليد الماركسية، خصوصًا مدرسة فرانكفورت التي تشكل إحدى ذراها.
لكنه يقترح أيضًا التعامل مع التصنيفات الفكرية بحذر وانتباه، لا سيما والكتاب يتناول مملكة الحيوان، والتي عانت كثيرا من وطأة التصنيفات الجامدة.
في الفصل الأول من الكتاب يورد أمير رسالة دالّة من فريدريك إنجلز موجهة إلى الفيلسوف والاقتصادي كونراد شميدت عام 1859، وفيها يستشعر إنجلز ضرورة ملحة للاعتذار من حيوان خلد الماء، وهو حيوان ثديي، لا يلد بل يبيض. والسبب إدراك إنجلز أنه ارتبك الخطأ نفسه الذي يرتكبه علم الأحياء في تصنيف الحيوانات. فالكائنات الحية تفيض عن التصنيفات التي يريد علماء الأحياء حبسها فيها.