قنبلة في الرأس

ثورة الشباب

قنبلة في الرأس

  • أسبوعي
  • كتابة

لا يجيد عادل السيوي التعامل مع الخطابات المغلقة.. وفي 1972 انحاز إلى «الوجه الثقافي» لحركة الطلاب.. قال: كان اهتمامي أكبر بالشعر والكتابة والمسرح!

التاريخ كتلة مصمتة؛ اعتدنا أن نستقبلها كما لو كانت رسالة من قمة جبل يسكنه آلهة مجهولون، نشعر بها ونحن نتجول في الجسم المصمت.
تجول الزائرون الغرباء في معابد حكاية مقدسة. وهذا سر ارتباط التاريخ بمشاعر الثقل والغفلة و”عدم الاقتراب واللمس”، عادة تدوِّن سلالات القوة الحاكمة التاريخ. وسواء كانت مهزومة أو منتصرة، فالمنهج المختار لكتابة التاريخ هو الحذف؛ وتحديدًا حذف التفاصيل المقلقة لانسجام الرواية.
هنا تسعى “مدينة” لتعريض التاريخ للمس.. تحفر وراء المحذوف، والمنسي، أو كل ما هو مرتبط بالشخصي.

محاولتنا الأولى مع “ثورة الشباب” التي تناثرت أحداثها بين براغ وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والقاهرة بداية من 1968، وكان لكل حدث طابعه الخاص، لكنها تشترك جميعًا في الاحتجاج على استمرار “جيل صناع الكوارث” في التحكم بالسلطة. ومن ربيع براغ (1968) الذي كان هدفه تخفيف قبضة السلطة السوفيتية، وحتى الحركة الطلابية في مصر (1968 و1972) مرورًا بحركة الطلاب من باريس إلي روما وبرلين في مايو 1968، كان هناك هذا الملمح؛ الاحتجاج على “قدر الشيخوخة”. نقرأ كثيرًا عن كل حدث، لكننا، في مدينة، ننشغل بالحكايات 

المنهج المختار لكتابة التاريخ هو الحذف؛ وتحديدًا التفاصيل المقلقة لانسجام الرواية!

ونبدأ بحكاية عادل السيوي عن المسافة بين حركة مايو 1968في أوربا و الحركة الطلابية في مصر 1972.
1. الشَعْر المجنون
لم تكن قصَّات الشَعْر في السبعينيات مجرد موضة عابرة، بل كانت إعلان تمرد على كل شيء. كل شيء فعلاً. عادل السيوي أهم فناني التصوير Painting الآن، ولادته كانت مع وصول “الضباط الأحرار “ للسلطة في 1952، وكان أحد الذين أطلقواالشَعْر المجنون.. الهائج الممتد كأنه غطاء ضد تعليمات هابطة من السماء.. أو شجرة تنمو بلا كوابح.. كأنها قنبلة انفجرت من الرأس. هذه صور الجامعة التي اقترب من أبوابها في لحظة نادرة؛ تقريبًا في 1970،

حين وصلت إلى مصر أصداء ثورة 1968 في أوروبا، وتزامنت معها حركة طلابية رافضة لهزيمة يونيو 1967.
لحظات غيرت نظرة الإنسان لنفسه ولمكانه ولعلاقته بكل شيء، من السياسة إلى العائلة وحتى الحب واللذة المحرمة. لحظات للأسئلة حول معنى الأخلاق والهوية والتحقق. وقتها كان التفاؤل سائدًا إلى حد كبير بأن العلم سيقود الإنسانية إلى حالة من الرفاهية والتقدم لا حدود لهما. وكان الهواء مشبعًا برغبة البحث عن متع خارج الأطر، وتحرير أفق الحياة من سلطان التقاليد القديمة. هكذا كان حب الحياة و الإيمان بأنه لا حرية سياسية دون حرية شخصية 

صيف سنة 1971، عملت جرسونًا في مطعم جاليوس اليوناني على شاطىء لوتراكى، 30 كم من أثينا. أول تجربة ابتعاد عن الأسرة والحي والأصدقاء أتاحت لي اللقاء بمن شاركو وتأثروا وصنعوا أحداث ربيع 68 بدأت الاقتراب من عبد الواحد عسكر وتفهم أفكاره واختياراته..

صيف سنة 1971، عملت جرسونًا في مطعم جاليوس اليوناني على شاطىء لوتراكى، 30 كم من أثينا. أول تجربة ابتعاد عن الأسرة والحي والأصدقاء أتاحت لي اللقاء بمن شاركو وتأثروا وصنعوا أحداث ربيع 68 بدأت الاقتراب من عبد الواحد عسكر وتفهم أفكاره واختياراته..

تحرك الجيل المتمرد إلى تكسير كل التابوهات وخلق عالم جديد.
في الوقت نفسه انتشر الرعب من مغامرات أمريكا في فيتنام، وتداعيات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. شبح الموت وانتهاء البشرية بمجرد الضغط على زر بالمصادفة (كما كان يمكن أن يحدث في أزمة خليج الخنازير). ولم يكن مقبولاً أن يحكم العالم الحكام أنفسهم، ولا عقليات السلطة نفسها التي أدت إلى مأساة الحرب العالمية؛ وراح ضحيتها 80 مليون وتشرد 20 مليون غيرهم.
كانت “ثورة الشباب” مندفعة إلى تحرير الحواس لتحرر العقل من

حمولاته الثقيلة. لحظة انفجار يحكي عنها “كان عندنا طاقة كبيرة جدًا..
لم يكن عندنا الحكمة أو القدرة على تنظيم أنفسنا.. فقط طاقة.. العالم كله كان في حالة غريبة.. أفكار كثيرة تتخلق وتتكون.. هذه هي اللحظة التي تكون فيها أول جيل عالمي.. أول مرة يتكون جيل له ملامح محددة ومختلفة في كل أنحاء العالم في الوقت نفسه.. عندما أقابل أحدًا من أبناء جيلي هزته هذه اللحظة الخاصة، وفي أي مكان من العالم نتكلم تقريبًا عن الأشياء نفسها، والمراجع نفسها، والأحداث نفسها، والموسيقى والكتَّاب والتعليقات.
كنت محظوظًا بأنني من هذا الجيل.. 

جيل حساسيته ليست قومية فقط، حساسيته واسعة، عالمية.. جيل مشغول بأشياء أبعد من حدوده الضيقة…” هذه نظرة مختلفة للحدث الذي يختصر في مصر على أنه: تظاهرات طلبة (1972)ضد رئيس الجمهورية (السادات).. لكنها كانت لحظة من لحظات الاكتشاف ومقاومة خطوط السير الطبيعية في اختيارات السيوي؛ طالب متفوق في كلية الطب، مشروع مكتمل له جاذبية اجتماعية ومن المفترض أن تكون شخصية. لكن 1972 أبعدته أكثر عن “الأحلام الأليفة”.
لم يكن انتقالاً سهلاً ..أو تمردًا عجولاً مبنيًّا على فورة حماس مؤقت، إنها 

اقرأ أيضاً

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية